وفي هذا الكلام إشكال في الجملة وهو قولهم : « أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » وكذلك قوله : « قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّه كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ » ظاهره يدلّ على أنّ شعيب كان على ملَّتهم الَّتي هي الكفر .
والجواب أنّ أتباع شعيب الَّذين آمنوا كانوا من قبل كفّارا فخاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه للتّغليب ، أو أنّ شعيبا ما كان يظهر دينه لهم فتوهّموا أنّه على دينهم .
قال لهم شعيب : * ( [ أَولَوْ كُنَّا كارِهِينَ ] ) * « الهمزة » للاستفهام « والواو » للحال أي أتعيدوننا في ملَّتكم في حال كراهتنا أي لا تقدرون على ردّنا على دينكم على كره منّا بعد إذ هدانا اللَّه ونجّانا .
ونظم عليه السلام نفسه الشريفة في جملتهم وإن كان بريئا من الكفر إجراء الكلام على التغليب فإن فعلنا ما تريدون منّا فحينئذ افترينا على اللَّه الكذب ، وهذا مع قطع النظر عن قبح الكفر مناف للنبوّة لأنّ أصل الباب في النبوّات صدق اللهجة والبراءة من الشرك والكذب .
وبعض المفسّرين يرجعون الضمير في « فِيها » إلى القرية أي نخرج منها فإن شاء اللَّه نعود فيها وحينئذ سهل المعنى ، أمّا إذا رجع الضمير إلى الملَّة فمعناه إلى أن يشاء اللَّه ، وهذه قضيّة شرطيّة ، وإنّما ذكر هذا للتّبعيد كما يقال : لا أفعل هذا إلَّا إذا شاب الغراب وابيضّ القار ولا يشاء اللَّه الكفر فلا نعود أبدا وهذا المعنى يبطل قول من قال : إنّ اللَّه قد يشاء الكفر .
قال الجبّائيّ : المراد من الاستثناء الفروع والأحكام والعبادات كأوقات الصلاة والصيام من الفروع الَّتي يجوز فيها طريان النسخ والتبديل لا في الأصول الَّتي لا يقبل التغيّر .
وقوله * ( [ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ] ) * في تعلَّق هذا الكلام بالكلام الأوّل قال القاضي عبد الجبّار : قد نقلنا عن أبي عليّ الجبّائيّ : إلَّا أن يشاء اللَّه معناه : إلَّا أن يعرف المصلحة في تغيّر الفروع فالعالم في المصالح والتغيّر ليس إلَّا من وسع علمه على كلّ شيء فلذلك أتبعه بهذا الكلام فصحّ النظم في الآية .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 364
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٦٤