والمراد بالبيّنة المعجزة وأمّا أنّ المعجزة من أيّ الأنواع كانت معجزته فليس في القرآن بيان كيفيّة معجزته .
ويقال لشعيب : خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وقومه أصحاب الأيكة وأرسل إلى مدين مرّتين وإلى أصحاب الأيكة مرّة ، وكان عادة الأنبياء أنّهم إذ رأوا قوما مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالا أكثر من إقبالهم على سائر المفاسد بدؤا بمنعهم عن تلك المفسدة .
قال صاحب الكشّاف : إنّ من معجزات شعيب أنّه دفع إلى موسى عصاه وهي الَّتي صارت التنّين ، وقال لموسى : إنّ هذه الأغنام تلد أولادا فيها سواد وبياض وقد وهبتها لك فكان الأمر كذلك .
ثمّ قال الزمخشريّ : وهذه الأحوال كانت معجزات شعيب لأنّ موسى في ذلك الوقت ما ادّعى الرسالة .
وهذا الكلام بناء على أصل مختلف بين الأشاعرة والمعتزلة لأنّه عند الأشاعرة يجوز أن يظهر اللَّه على من يصير بعد نبيّا أنواع المعجزات ، ويسمّى ذلك إرهاصا فعند الأشاعرة على هذا الأصل إرهاصات لموسى ، وعند المعتزلة معجزات لشعيب لأنّ الإرهاص لا يجوز عند المعتزلة .
وبالجملة أمر شعيب قومه بإيفاء الكيل لأنّهم كانوا مشغوفين بالتّطفيف ، والمراد بالكيل المكيال أي ما يكال به .
ثمّ قال : * ( [ ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ] ) * والمراد المنع من التنقيص ويشمل في كلّ الأمور ، فيدخل فيه السرقة والغصب وأخذ الرشوة وانتزاع الأموال من أيدي الناس بطريق الحيل لأنّ كلّ ذلك تنقيص المال ، وهذه الأمور من موجبات الخصومة والغضب والمنازعة بين الناس .
قال : * ( [ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ] ) * بعد أن صلحت الأرض بشرائع الأنبياء وكيفيّة الأحكام * ( [ ذلِكُمْ ] ) * أي هذه الأمور * ( [ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ] ) * أي كونوا مؤمنين .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 362
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٦٢