قال : أتاتون السيّئة المتمادية في القبح بحيث ما سبقكم في هذه القبيحة أحد من العالمين ؟ ويمكن أن انقضى كثير من القرون والأعصار ما أقدم على هذا الأمر القبيح أحد . أو أنّ قوم لوط بأجمعهم أقدموا على هذا المنكر ، ولم يتّفق في الأعصار الماضية أنّهم بكلَّيّتهم يقدمون بهذا الأمر ، وكانوا لا ينكحون إلَّا الغرباء والضيف أوّلا ، ثمّ استحكم عندهم حتّى فعل بعضهم ببعض .
* ( [ أَتَأْتُونَ ] ) * وتشتهون * ( [ الرِّجالَ شَهْوَةً ] ) * وقبح هذا العمل من وجوه شتّى لأنّه على عكس حكمة الإلهيّة وخلاف مقتضى الطبيعة لأنّ الذكورة مظنّة الفعل والأنوثة مظنّة الانفعال ، فإذا صار الذكر منفعلا صار الأمر بعكس الطبيعة ، ثمّ يوجب عدم بقاء نوع الإنسان الَّذي هو أشرف الأنواع وأدّى إلى انقطاع النسل وذلك خلاف أمر اللَّه وحكمته .
ثمّ إنّ الفاعل بهذه الفعلة القبيحة بسبب لذّة ساعة يسبّب للمفعول إيجاب العار العظيم والعيب الكامل على المفعول على وجه لا يزول ذلك عند طول عمره ، وكيف يرضى العاقل المسلم لأجل لذّة ساعة خسيسة منقضية إيراد العيب الدائم على غيره ؟ فيوجب استحكام العداوة الدائمة بين الفاعل والمفعول ولعلّ ينجرّ إلى القتل كما أنّ هذا العمل بالنسبة إلى المرأة ينتج بالعكس ، وموجب لازدياد المحبّة .
تأمّل في الحكمة الإلهيّة حتّى يحصل لك اليقين بأنّه تعالى ما حرّم حراما إلَّا لمفاسد عظيمة ، وما حلَّل حلالا إلَّا لمنافع عظيمة جليلة .
ثمّ إنّ من مضارّ هذا العمل أنّ اللَّه أودع في الرحم قوّة جاذبة شديدة للمنيّ فإذا واقع الرجل المرأة قوى الجذب فلم يبق شيء من المنيّ في المجاري وينفصل ، أمّا إذا واقع بالرّجل لم يحصل ذلك الجذب من المفعول فيبقى شيء من أجزاء المنيّ في المجرى فيعفن ويفسد غالبا ، ويتولَّد منه الأسقام العظيمة ، والأورام الشديدة .
وبالجملة لمّا منعهم لوط عن هذا الأمر ما امتنعوا نسبهم إلى السرف وتجاوز الحدّ فجاوبوه قومه أن أخرجوا لوطا وأتباعه من البلدة فإنّهم يمنعونا عن هذا العمل ، وقالوا على سبيل السخريّة :
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 359
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٥٩