قرء « الريح » على لفظ الواحد ، وقرء بلفظ الجمع « رياح » وفي الواحد أيضا معنى الجمع الجنسيّة .
وقرء « نشر » بالنّون مضمومة والشين مضمومة وهو جمع نشور مثل رسل ورسول ، فيكون المعنى : رياح منشّرة أي مفرّقة ، والقراءة المعروفة بالباء الموحّدة جمع بشير من قوله : « يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ » « 1 » تبشّر بالرّحمة أي المطر ، ومرسلها وناشرها هو اللَّه وقد وصفوا الريح بأنّه هواء متحرّك ، ولو كان كما يقولون فكون هذا الهواء متحرّكا ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلَّا لدامت حركته بدوام ذاته فلا بدّ بتحريك الفاعل جلّ جلاله .
قالت الفلاسفة : هاهنا سبب آخر : وهو أنّه يرتفع من الأرض أجزاء أرضيّة كالهباء تسخّنه الشمس تسخينا قويّا شديدا فسبب تلك السخونة ترفع وتتصاعد فإذا وصلت إلى القرب عن الفلك كان الهواء الملتصق بمقعّر الفلك متحرّكا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لفلك الطبقة من الهواء ويمنع هذه الأدخنة والأجزاء من الصعود بل يردّها عن سمت حركتها فحينئذ ترجع تلك الأدخنة والأجزاء فتتفرّق في الجوانب وبسبب ذلك التفرّق تحصل الرياح ثمّ كلَّما كانت الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشدّ فكانت الرياح أقوى .
وهو باطل لوجوه وذلك لأنّ صعود الأجزاء الأرضيّة إنّما يكون لأجل شدّة تسخينها ، ولا شكّ أنّ ذلك التسخين عرض لأنّ الأرض باردة يابسة بالطبع فإذا كانت الأجزاء الأرضيّة متصعّدة جدّا كانت سريعة الانفعال فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرد جدّا ، وإذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائيّة المتحرّكة بحركة الفلك فبطل ما ذكروه من السبب .
الثاني من الوجوه أنّ حركة تلك الأجزاء الأرضيّة النازلة لا تكون حركة قاهرة فإنّا نشاهد أنّ الرياح إذا هبّت حركت الغبار الكثير ، ثمّ عاد ذلك الغبار
و
هامش
( 1 ) الروم : 45 .