فلا فائدة في طلبه فإنّه إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أم لم يحصل ، وإن كان قد أراد في الأزل المنع فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الدعاء .
وهيهات من القائلين بهذا القول عن العلم ! « يَمْحُوا اللَّه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَه أُمُّ الْكِتابِ » « 1 » ولو كان الأمر كما زعموا فهذا الحكم جار في جميع أنواع التكليف والعبادات فإنّه يقال : إن كان هذا الإنسان سعيدا في علم اللَّه فلا حاجة إلى الطاعات وإن كان شقيّا في علمه فلا فائدة في تلك العبادات ، ويلزم فيه أن يترك ويبطل التكليف بل يجب أن لا يقدم الإنسان على أمر من أمور دنياه حتّى أكل الخبز لأنّه إن كان هذا الإنسان شبعان في علم اللَّه لا حاجة له في أكل الخبز وإن كان جائعا في علم اللَّه فلا فائدة في أكل الخبز ، فكما أنّ هذا الكلام باطل فذلك أيضا باطل ببداهة العقل وأنّ هذا القول لا يجوّزه ذو دين من أهل الأديان .
والدعاء له فوائد كثيرة يفيد المعرفة في ذلَّة السؤال والعبوديّة وهذا هو المقصد الأعلى من جميع العباد فإنّ الداعي لا يقدم على الدعاء إلَّا إذا عرف نفسه محتاجا إلى ذلك المطلوب الَّذي يطلبه ، وكونه عاجزا عن تحصيله ، ويعرف غنى ربّه ويسمع دعوته وهو قادر على دفع تلك الحاجة لو اقتضت المصلحة وهو رحيم ، ويعرف عجز نفسه وقدرة ربّه فإذا كان الدعاء مستجمعا لهذه الأمور لا جرم كان من أعظم أنواع العبادات .
ولا مقصود من جميع التكاليف إلَّا معرفة عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة ، فإنّ التضرّع لا يحصل إلَّا من الناقص في حضرة الكامل كما روي عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم ما من شيء أكرم على اللَّه من الدعاء ثمّ قرأ صلى اللَّه عليه وآله وسلم : « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ » « 2 » .
و « الضراعة » ضدّ الاستكبار ومعناه إظهار الذلّ الَّذي في النفس ، ومثله التخشّع يقال : « ضرع الرجل » إذا مال بإصبعه يمينا وشمالا خوفا وذلَّا .
هامش
( 1 ) الرعد : 39 .
( 2 ) المؤمن : 62 .