الممكنات حتّى الحجب والسرادقات ، والحقّ سبحانه أعظم رتبة من كلّ عظيم .
وفي الآية تقديم وتأخير فيكون تقدير الآية : الَّذي خلق السماوات والأرض هو الرّحمن ثمّ استوى على العرش « فالرحمن » مبتدأ وخبره مقدّم عليه وذلك الخبر هو قوله « الَّذِي خَلَقَ » كما تقول : الَّذي جاءك زيد ، ثمّ استوى على العرش اعتراض .
قال الرازيّ : لا يمكن أن يكون المراد منه أن يكون مستقرّا على العرش لأنّ التحيّز والتناهي من بعض الجهات لازم للزّيادة والنقصان ، والحدوث والتغيّر والخلأ والملأ كلَّها محال على اللَّه ، فإنّه تعالى إذا تحيّز في جهة فالجهة الأخرى خالية عنه وهو إلى الجهة المتحيّز بها مفتقر إليها ، والمحتاج ممكن لذاته وواجب الوجود غيره .
ثمّ لو كان الباري في حيّز وجهة لكان مشارا إليه بحسب الحسّ وما يشار إليه إمّا يقبل القسمة أولا فإن كان لا يقبل القسمة كان نقطة وجوهر فرد وفي وجود جوهر الفرد وعدمه اختلاف ، وأنّ إلها يكون في العالم يدبّر الكلّ ويخلق السماوات والأرض والعرش وهو في الصغر والحقارة مثلا جزء من ألف جزء من رأس إبرة أو ذرّة فكلّ قول يفضي إلى مثل هذه الترّهات صراحة العقل يحكم بقبحه ويكون مثل هذا الإله كمثل ما هو أصغر من النملة بآلاف درجة .
وإمّا أن يقبل القسمة فيكون ذاته حينئذ مركّبا من أجزاء يقوّم بعضها بوجود بعض فذاك المقوّم يحتاج وجوده وكونه إلى هذا المقوّم وكلّ جزء من هذا المركّب يحتاج إلى جزء غيره حتّى يتحقّق الوجود بالتركيب وهو من لوازم الحدوث والإمكان والاحتياج والكلّ باطل فإنّ لوازم التركيب التجسّم والتجزّء والتفرّق والنموّ والذبول والكون والفساد ، تعالى اللَّه عن هذه الأمور .
وأمّا الدلائل السمعيّة فكثيرة أوّلها : « قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ » والأحد مبالغة في كونه واحدا .
وقوله تعالى : « ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » « 1 » فلو كان اللَّه في العرش
هامش
( 1 ) الحاقة : 17 .