لمّا ذكر في الآية السابقة ما يضرّهم من الأمور من المعاصي عقّبه بذكر ما ينفعهم من الأمور الدينيّة وخاطب جميع المكلَّفين فقال : إن يأتكم رسل من جنسكم ويبيّنون رسالاتهم لكم ، فمن لازم اقتفاءهم واتّقى نواهيهم وأصلح عمله بقبول قولهم فليس عليهم خوف في الدّنيا ولا هم يحزنون في الآخرة ، والَّذين استكبروا بحججنا وكذّبوا بآياتنا وخالفوهم فهم ملازمون النار ومخلَّدون إلى الأبد .
وإنّما قال : « رُسُلٌ » والخطاب إلى الرسول لأنّه أجرى الكلام على ما تقتضيه سنّته في الأمم .
واختلف الكلاميّون في أنّ المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف وحزن عند أهوال القيامة ؟ فذهب بعضهم إلى أنّه لا يلحقهم ذلك ، والدليل عليه قوله : « لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ » « 1 » .
وذهب بعضهم بأنّه يلحقهم الفزع لقوله : « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، الآية » « 2 » وأجابوا عن آية « فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » بأنّ معناه أنّ أمرهم يؤول إلى العافية والسرور ، كقول الطبيب للمريض : لا بأس عليك أي أمرك يؤول إلى العافية وإن كان في الوقت في بأس من علَّته .
ثمّ تمسّكوا أصحاب السنّة بهذه الآية على أنّ الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلَّدا في النار لأنّه تعالى قال في الجاحدين والمستكبرين : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » وكلمة هم يفيد الحصر فذلك يقتضي أنّ من لا يكون موصوفا بهذه الصفة لا يبقى مخلدا في النار .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 37 ] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِه أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 37 )
هامش
( 1 ) الأنبياء : 103 .
( 2 ) الحج : 2 .