إبليس على ترك ما أمر به ولو لم يفد الوجوب لما كان مجرّد ترك المأمور به موجبا للذّم .
فإن قيل : هب إنّ هذه الآية يدلّ على أنّ ذلك الأمر يفيد الوجوب ، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت يفيد الوجوب فمن أين يجب أن يكون جميع الصيغ كذلك ؟ قلنا : قوله تعالى : * ( [ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ] ) * يدلّ على تعليل ذلك الذّم بمجرّد ترك الأمر : لأنّ قوله : « إِذْ أَمَرْتُكَ » مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله : « إِذْ أَمَرْتُكَ » هو الأمر من حيث إنّه أمر لا كونه أمرا مخصوصا في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ترك الأمر من حيث هو أمر موجبا للذّم ، وذلك يفيد أنّ كلّ أمر فإنّه يقتضي الوجوب فالموارد المحمولة على الإباحة والاستحباب بدليل منفصل ، وهو المطلوب .
وكذلك احتجّ من قال : إنّ الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، وقال : إنّه تعالى ذمّ إبليس على ترك السجود في الحال ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذّم ترك السجود في الحال .
قال : * ( [ أَنَا خَيْرٌ مِنْه ] ) * أي أجاب اللعين إنّما لم أسجد لآدم لأنّه خلق من طين وخلقت من نار والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل ومن الأدون أدون ، والنار مشرق علويّ لطيف خفيف يابس مجاور لجواهر السماوات ملاصق لها ، والطين مظلم سفليّ كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السماوات ، ثمّ النار قويّة التأثير والفعل ، والأرض ليس لها إلَّا الانفعال والقبول والفعل أشرف من الانفعال ، وأيضا فالنار مناسبة للحرارة الغريزيّة ، وهي مادّة الحياة ، وأمّا الأرضيّة فالبرد واليبس فهما مناسبان للموت ، والحياة أشرف من الموت ، ونضج الثمار ونماء الثمار متعلَّق بوقت كمال الحرارة ، ووقت الذّبول والفناء والشيخوخيّة وقت البرد وانتفاء الحرارة الغريزيّة باليبس المناسب للأرضيّة ، وشرف الأصول يوجب شرف الفروع .
وقد قاس اللعين بهذه الأقيسة الفاسدة ، لأنّه لا ملازمة بين فضيلة المادّة وفضيلة الصورة ، وقد يكون المادّة فاضلة والصورة قبيحة وإنّ أصل البول الماء ، والفضيلة عطيّة من اللَّه يخرج الكافر من المؤمن ، والنور من الظلمة والظلمة من النور ، والفضل إنّما يكون بالأعمال لا بسبب الموادّ ألا ترى أنّ الحبشيّ المطيع أفضل من القرشيّ العاصي ؟ .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 313
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣١٣