ثمّ احتجّ من قال : إنّه لا يجوز تخصيص عموم النصّ بالقياس بهذه الآية لأنّ إبليس أخرج نفسه من هذا الحكم العامّ للسجود بالقياس ولا معنى للقياس إلَّا ذلك ، فلو كان تخصيص النصّ بالقياس جائزا لما استحقّ الذمّ حيث قال له : * ( [ فَاهْبِطْ مِنْها ] ) * ووقد نقل الواحديّ في البسيط عن ابن عبّاس أنّه قال : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربّه وهو أوّل من قاس فكفر بقياسه فمن قاس الدّين برأيه قرنه اللَّه بإبليس ، انتهى كلام ابن عبّاس .
وهذا الخطاب مع إبليس إمّا بواسطة الملائكة أو بلا واسطة على سبيل الإهانه فأهبط منها .
قال ابن عبّاس : من جنّة عدن وفيها خلق آدم لا جنّة الخلد وقيل : من السماء لأنّ أهل السماء ملائكة يتواضعون لأمر اللَّه وهو تكبّر وخالف فأهانه اللَّه بالذلَّة والصغار .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 14 إلى 17 ] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 )
المعنى : فطلب اللعين الإنظار من اللَّه إلى وقت البعث وهو النفحة الثانية ، ومقصود اللعين أن لا يذوق الموت فلم يعطه اللَّه ذلك بل * ( [ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ] ) * فههنا قولان :
الأوّل أنظره إلى النفحة الأولى ، لأنّه سبحانه قال في آية أخرى : « فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » « 1 » والمراد منه اليوم الَّذي يموت فيه الأحياء كلَّهم .
وقال آخرون : لم يوقّت اللَّه له أجلا بل قال له : « إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ » وقوله :
« إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » أي المعلوم في علم اللَّه ، والدليل على ذلك أنّ إبليس كان مكلَّفا ، والمكلَّف لا يجوز أن يعلم وقت أجله لأنّه يعلم ذلك المكلَّف أنّه متى تاب قبلت توبته ، فإذا علم وقت موته هو الوقت الفلانيّ أقدم على المعاصي بقلب فارغ فإذا قرب
هامش
( 1 ) الحجر : 37 - 38 ، ص : 81 - 82 .