ثمّ إنّه إذا أمات الأنبياء الَّذين كانوا أسباب الهداية ما نقص من أسباب الهداية لكم شيئا بسبب إبقاء كتابه فيكم وأنّ نبيّه بيّن لكم الحقّ بقوله ، وقوله في كتابه باق لكم فأيّ عذر لكم في ترك قول النبيّ وإطاعة الشيطان ؟ وجعل قوّة القبول والردّ فيكم متساوية لأنّه مهما ترصّد لكم الشيطان بغوايته وإضلاله فقد ترصّد لكم العقل بهدايته فتساوت القوّتان فلم تركت هذه وأدركت هذه ؟ وللَّه الحجّة البالغة والحمد له .
رجع إلى التفسير :
* ( [ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ] ) * أي الدنيا * ( [ ومِنْ خَلْفِهِمْ ] ) * أي الآخرة أي أوسوس لهم بالتكذيب للبعث والقيامة * ( [ وعَنْ أَيْمانِهِمْ ] ) * في الصرف عن الحقّ * ( [ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ] ) * في الترغيب إلى الباطل وأفترهم عن فعل الحسنات ، أي أحيط بهم من الجهات في إغوائهم .
روي أنّه لمّا قال الشيطان هذا الكلام وقت قلوب الملائكة للبشر فقالوا : يا إلهنا كيف يتخلَّص الإنسان من هذه العدوّ المستولي عليه من هذه الجهات الأربع ؟
فأوحى اللَّه إليهم : أنّه قد بقي للإنسان جهتان : الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى السماء في الدعاء أو وضع جبينه على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة .
ثمّ هنا نكتة : وهي أنّه تعالى ذكر الجهتين الأوليين بمن والأخريين بعن ولا بدّ من الفرق بينهما وهو أنّه إذا قال : جلس عن يمينه معناه أنّه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به قال اللَّه : « عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ » « 1 » فبيّن سبحانه أنّه حضر على هاتين الجهتين ملكان ولم يحضر في القدّام والخلف ملكان والشيطان يتباعد من الملك فلهذا خصّ اليمين والشمال بكلمة « عَنْ » لأجل أفادته البعد عن الملك ، أو المراد أنّ اللعين يأتي من الجهات الأربع كما هو شأن العدوّ .
هامش
( 1 ) ق : 16 .