موته تاب فينحلّ النظام فتعيّن الوقت يجري مجرى الإغراء بالقبيح وذلك غير جائز على اللَّه .
ثمّ نسب اللعين الإغواء إلى اللَّه فقال : * ( [ فَبِما أَغْوَيْتَنِي ] ) * مع أنّ اللعين هو تسبّب الغواية حيث تكبّر عن السجود فصار إمام الجبريّة ورئيسهم . وقيل : الغواية معناه الإهلاك .
ثمّ قال اللعين : بسبب أنّك لعنتي وطردتني وخيّبتني من جنّتك لأقعدنّ لهم وأمنعهم عن السلوك إلى الجنّة ، واعوجهم عن الاستقامة في الدّين بأن ازيّن لهم الباطل واسعي في إغوائهم وأواظب على الإفساد ، ولا أفتر عن إفسادي إيّاهم ، ولهذا المعنى عبّر اللعين بالقعود لأنّ القاعد في أمر أفرغ باله وجهده في إتيان أمره وقصده ، وهذه الآية تدلّ على أنّه كان عالما بدين الحقّ والصراط المستقيم فكفره كفر عناد وجحود وهو أعظم أنواع الكفر .
فلو قيل : إنّ إنظار إبليس هذه المدّة الطويلة اقتضى حصول المفاسد العظيمة ثمّ بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق وعلم من حال إبليس أنّه لا يدعوا إلَّا إلى الكفر والضلال فأمات الأنبياء وأبقى إبليس .
فالجواب أنّ إبقاء إبليس وأثره في الإضلال ليس بطريق الإجبار ولا يقول عاقل : إنّ إبليس أجبر أحدا على الكفر بحيث لا يتمكّن عن قبول الإيمان ، فلو كان الأمر كذلك لكان للقائل بهذا القول حجّة وليس إنظاره بأكثر من خلق الشهوة في النفس فهو كهي فكما أنّ الشهوة لا تحملكم بالإجبار على الزنا فكذلك إمهال الشيطان ، كما يقول اللعين لكم يوم القيامة : « إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » « 1 » فثبت أنّ إطاعتك إيّاه موجب لكفرك لا إمهاله ، ولو نقلت الكلام إلى الشهوة فأنت إذا تقول : لم كلَّفنا اللَّه بالتكليف ؟ لأنّ التكليف لا بدّ وأن يقع بين أمرين : من قبول وردّ ، ولو كان من طرف وأمر واحد لكان إجبارا وليس بتكليف لأنّ التكليف لا يتحقّق ماهيّته إلَّا إذا كان المكلَّف متمكّنا من الردّ والقبول .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 27 .