نسبوه إلى السّحر ، والبشر وإن كان عالما وحكيما لا ينقضي من عمره يوم إلَّا ويقع منه ما يكره زوجه وولده فضلا عن الناس حتّى أنّ نفسه تنفر من نفسه ، حيث وقع منه الخطاء ويلوم هو نفسه ، فضلا عن الناس فلو لم يكن تأييد النبوّة من اللَّه كيف تتّفق هذه الملكة الرّاسخة الإلهيّة لمن يأكل وينام ويمشي في الأسواق .
فأنت أيّها المعترض ! دع المعجزات كلَّها وتأمّل في هذه الدّقيقة ولا تحتاج إلى إثبات أمر آخر ، على أنّ البحر لو كان مدادا لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللَّه وهو صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم كلمة اللَّه العليا « اللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه » « 1 » .
وبالجملة رجعنا إلى التفسير :
* ( [ كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ] ) * أي هذا الَّذي أوحيته إليك كتاب أنزله الملائكة إليك بأمري * ( [ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْه لِتُنْذِرَ بِه وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ] ) * وضيق من تكذيب قومك وإجابتهم إيّاك بعدم القبول فأنذر به النّاس ، وليتذكّر به المؤمنون لأنّهم المنتفعون به .
ثمّ خاطب اللَّه المكلَّفين :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 3 ] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 3 )
اعلم أنّ الرّسالة إنّما يتمّ بالمرسل وهو اللَّه والمرسل وهو النبيّ والمرسل إليه وهم الامّة بمتابعة الرّسول وأنّ النّفوس البشريّة على قسمين : بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب ، غريقة في اللَّذات الجسمانيّة والشهوات الجسدانيّة ، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الروحانيّة الإلهيّة ، مستعدّة لكسب الفضائل فبعثه الأنبياء في حقّ القسم الأوّل إنذار وتخويف كما قال سبحانه : « لِتُنْذِرَ بِه » .
وفي القسم الثّاني تنبيه وتذكير عن غفلة البشريّة : لأنّه ربّما غشيها غواش من عالم الجسم فيعرض لها ذهول وغفلة فأمر بالذّكرى للقسم الثاني .
ثمّ أمر الامّة باتّباع هذا الكتاب ومنع عن اتّباع من دون الكتاب من أولياء
هامش
( 1 ) الانعام : 124 .