تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وللقرآن ولنبوّته دلائل كثيرة ، أمّا القرآن لأنّه مع قطع النّظر عن دلائل السّمع بداهة العقل تحكم بأنّ هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين بجامعيّته من حيث المعنى مع بسط أحكامه الَّتي يحتاج إليه الخلق في أمور عامّتهم ورفع الخلف بسبب العلم واختيار طريق الأصلح من الأديان ، ورفع التنافس والخصومات من نوع البشر لملازمة العدل في العمل بأحكامه لم يتّفق لكتاب قطَّ ، لأنّك إذا وازنت العمل به وبغيره من كلّ حكم احتجت به في دينك ودنياك رأيت أنّ العمل به أوفق للعدل والصّلاح وأحسن ترتيبا لنظام العالم وجمع الكلمة ورفع الخصومات والخلاف ، وما أريد من الكتاب وإنزال الكتب إلَّا هذا الأمر ، وهذا التّرتيب والتركيب لا يمكن صدوره إلَّا من قادر عالم وحكيم خالق ، وهو العالم بحقائق الأشياء دون غيره فثبت أنّ صدوره لا يمكن إلَّا منه . هذا كلَّه من حيث المعنى وأمّا من حيث اللَّفظ والمعنى فعجز المعارضين مع شدّة عداوتهم عن الإتيان بمثله أو ببعضه يشهد بأنّه وحي من اللَّه أوحى به إلى من هو أهل لوحيه . فلمّا ثبت أنّه من عند اللَّه ثبت نبوّة الموحى إليه لأنّ القرآن مشحون بالآيات المصرّحة بنبوّته ، فحينئذ ، ما ثبت عن قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه نازل من عند اللَّه بل ثبت ببراهين أخر فمن أين لزم الدّور ؟ على أنّ من تدبّر في أخلاقه الشريفة وفي حالاته أنّه منذ صباه إلى أن بلغ ثلاث وستّين سنة من عمره عجز جميع الخلق عن أن يوازوه بمكارم الأخلاق ولا ساوى عذاره من البشر بعذار ومضماره بمضمار حيث شهد اللَّه له بقوله « وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » « 1 » . ثمّ تأمّل أيّها العاقل بمجامع قلبك ، وانظر في أحواله في هذه المدّة من عمره أنّه لم ينقل عنه كريهة ولا خائنة ، ولا أخطأ في ساعة من عمره حتّى أنّه لم يثبت الخصماء خصلة سوء له في دقيقة من عمره الشريف ، حتّى أنّ أعداءه ، لعجزهم عمّا أوتي من المعجزات
هامش
( 1 ) القلم : 4 .