« ألزموا وأعرفوا » لأنّ هدايتهم إليه إلزامهم له وتعريف لهم ، وإن شئت حملته على الاتّباع أي اتّبعوا دينا قيّما .
و * ( [ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ] ) * بدل من « دِيناً قِيَماً » و « حَنِيفاً » منصوب على الحاليّة أي مائلا عن الأديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه . والملَّة من أمللت الكتاب أي أمليته ، وما شرّعه اللَّه لعباده يسمّى ملَّة من حيث إنّه يدوّن ويملى ويكتب ويتدارس .
وإنّما وصف دين النبيّ بأنّه ملَّة إبراهيم ترغيبا فيه للعرب لجلالة إبراهيم في نفوسها ونفوس أهل الأديان ، ولانتساب العرب إليه واتّفاقهم على أنّه كان على الحقّ وموافقة أغلب الفروع مع سنّته كالختان والمناسك في الحجّ وغيرها .
* ( [ وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ] ) * أي ما كان إبراهيم منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا فردّ اللَّه عليهم بأنّه عليه السلام ليس من أهل دينهم لأنّهم مشركون ، فأمّا العرب فكانوا أهل الأصنام ، واليهود بقولهم « عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه » والنصارى بقولهم « الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه » والمشرك في الحقيقة هو الَّذي يطلب مع اللَّه شيئا ويجعل غيره معه شريكا في العبادة .
* ( [ قُلْ إِنَّ صَلاتِي ] ) * وأعيد الأمر لما أنّ المأمور به يتعلَّق في هذه الآية بفروع الشرائع وما سبق بأصولها والمراد بالصلاة الصلوات الخمس المفروضة * ( [ ونُسُكِي ] ) * أي عباداتي وأصل النسك ما يتقرّب به إلى اللَّه ولذا يقال للعابد : ناسك . وقيل : المراد بالصلاة صلاة العيد ، وبالنسك الاضحيّة .
وعن أنس عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : قرّب كبشا أملح أقرن فقال : « لا إله إلَّا اللَّه واللَّه أكبر * ( إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ) * - إلى قوله تعالى - : * ( وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ » ثمّ ذبح فقال : شعره وصوفه فداء لشعري من النار ، وجلده فداء لجلدي من النار ، ودمه فداء لدمي من النار ، وعظمه فداء لعظمى من النار ، وعروقه فداء لعروقي من النار فقالوا : يا رسول اللَّه هنيئا مريئا ، هذا لك خاصّة ؟ قال : بل لأمّتي عامّة إلى أن يقوم القيامة ، أخبرني به جبرئيل عن ربّي عزّ وجلّ . وقيل : نسكي أي ديني ، عن الحسن .
* ( [ ومَحْيايَ ومَماتِي ] ) * أي حياتي وموتي ، وجمع بين صلاته وحياته وأحدهما من فعله والآخر من فعل اللَّه لأنّهما جميعا بتدبير اللَّه ، وقيل : معناه : إنّ صلاتي ونسكي له
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 298
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٩٨