تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فقلت له : أتقول : جاءته كتابي ؟ قال الأعرابيّ : نعم أليس الكتاب بصحيفة ؟ المعنى : لمّا ذكر سبحانه الوعيد على المعاصي عقّبه بذكر الموعد فقال : * ( [ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه عَشْرُ أَمْثالِها ] ) * . قال بعضهم : الحسنة قول « لا إِله إِلَّا اللَّه » والسيّئة الشرك ، قال الرازيّ : وهذا ضعيف بل يجب أن يكون محمولا على العموم إمّا تمسّكا باللفظ وإمّا لأجل أنّه حكم مرتّب على وصف مناسب له فيقتضي كون الحكم معلَّلا بذلك الوصف فوجب أن يعمّ لعموم العلَّة ، وعلى هذا فالمعنى من جاء بالخصلة الواحدة من خصال الطاعة من المؤمنين فله عشر أمثالها من الثواب . * ( [ ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ] ) * أي بالخصلة الواحدة من خصال الشرّ * ( [ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ] ) * وذلك من عظيم فضل اللَّه وجزيل إنعامه حيث لا يقضي في الثواب على قدر الاستحقاق بل يزيد عليه ، وربّما يعفو عن ذنوب المذنبين من المؤمنين منّة عليهم وتفضّلا ، وإن عاقب عاقب على قدر الاستحقاق عدلا . ثمّ اختلف النّاس في أنّ هذه الحسنات العشر الَّتي وعدها اللَّه هل يكون كلَّها ثوابا أم لا ؟ فقال بعضهم : لا يكون كلَّها ثوابا وإنّما يكون الثواب منها الواحدة ، والتسع الزائدة تكون تفضّلا ، ويؤيّده قوله : « فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ويَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِه » « 1 » لكن عند الأشاعرة الثواب مطلقا تفضّل من اللَّه ، والمعتزلة فرّقوا بين الثواب والتفضّل بأنّ الثواب هو المنفعة المستحقّة والتفضّل هو المنفعة الَّتي لا تكون مستحقّة . ثمّ إنّهم اختلفوا فقال بعضهم : هذه العشرة تفضّل ، والثواب غيرها وهو مذهب الجبّائيّ ، وقال : لأنّه لو كان الواحد ثوابا ، وكانت التسعة تفضّلا لزم أن يكون الثواب دون التفضّل لأنّه لو جاز أن يكون التفضّل مساويا للثواب في الكثرة والشرف لم يبق في التكليف فائدة أصلا فيصير عبثا ، ولمّا بطل ذلك علمنا أنّ الثواب يجب أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من التفضّل . وقال آخرون : لا يبعد أن يكون الواحد من هذه التسعة ثوابا ، ويكون التسعة الباقية تفضّلا إلَّا أنّ ذلك الواحد يكون أو فرو أعظم شأنا من التسعة الباقية .
هامش
( 1 ) النساء : 172 .