ولمّا كان يجوز أن يتوهّم الإنسان أنّه يجب هذا الأمر على الحقيقة بحيث لا مختلف ذرّة واحدة في المكيل والموزون وذلك صعب شديد بحيث لا يقدر الإنسان من إتيانه أتبعه سبحانه بما يزيل هذا التشديد فقال : [ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ] أي الإيجاب بهذا الأمر القدر الممكن في إيفاء الكيل والوزن .
قال القاضي : إذا كان اللَّه قد حفّف على المكلَّف هذا التخفيف مع أنّ هذا التضييق مقدور له مع العسر فكيف يتوهّم أنّه سبحانه يكلَّف الكافر الإيمان ؟ مع أنّه لا قدرة له عليه بل قالوا : يخلق الكفر فيه ويريد منه ويحكم به عليه ويخلق القدرة الموجبة لذلك الكفر والدّاعية الموجبة له ثمّ ينهاه عنه فهو تعالى لمّا لم يجوّز ذلك القدر من التشديد والتضييق في إيفاء الكيل والوزن فكيف يجوز أن يضيّق على العبد مثل هذا التضييق والتشديد ؟ .
وعارضه الرازيّ وشيوخ الأشاعرة بمسألة الداعي والعلم ، وهذه المعاوضة والجواب منهم أوهن من نسج العنكبوت ، كما شرّح في مواضع عديدة في الكتاب ولا حاجة إلى الإعادة .
أقول : هذه المندوحة والقدر اليسير من التفاوت لا يوجب عدم الاجتهاد والسعي في إيفاء الكيل والوزن والمراعاة فيهما واجبة لكنّ التقصير القصديّ فليس بمعفوّ قطعا ، وينبغي الاحتياط بقدر الإمكان .
[ وإِذا قُلْتُمْ ] قولا في شهادة أو حكم أو نحوهما [ فَاعْدِلُوا ] فيه [ ولَوْ كانَ ] المقول له أو عليه [ ذا قُرْبى ] أي قرابتكم لأنّ مدار الأمر العدل وطلب رضى اللَّه فلا فرق بين ذي قرابة وأو أجنبيّ وهذا هو الحكم الثامن .
[ وبِعَهْدِ اللَّه أَوْفُوا ] أي ما عهد إليكم من تأدية أو امره تعالى ، ويدخل فيه ما عاهدتم اللَّه عليه من الإيمان والنّذور ، ويحتمل أن يراد به العهد بين الإنسانين فيكون إضافته إلى اللَّه من حيث إنّه أمر بحفظه والوفاء وهذا هو الحكم التّاسع .
[ ذلِكُمْ ] الإشارة إلى ما فصّل من التكاليف [ وَصَّاكُمْ بِه ] أمركم بامتثاله [ لَعَلَّكُمْ
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 287
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٨٧