فعلوا ما شاء اللَّه ، ولكانوا بذلك مطيعين له لأنّ الطاعة هي امتثال الأمر المراد ، ولا يكون الحجّة للَّه تعالى عليهم على قولهم من حيث إنّه خلق الكفر فيهم وأراده منهم فأي حجّة له تعالى عليهم مع ذلك ؟
ثمّ بيّن سبحانه تعالى أنّ الطريق الموصل إلى صحّة مذاهبهم منسدّ غير ثابت من حجّة عقليّة ولا سمعيّة وما هذه صفته فهو فاسد لا محالة فقال : [ قُلْ ] يا محمّد [ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ] أي هاتوا شهداءكم الَّذين يشهدون بصحّة ما تدّعونه من [ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ هذا ] وهم قدوتهم الَّذين ينصرون قولهم وكبراؤهم المقبولين عندهم وليس المراد كلّ من يشهد بصحّة دعواهم كائنا من كان ، ولذلك قيّد الشهداء بالإضافة إليهم ، فيشهدون أنّ ما جعلناه حراما من قول اللَّه وكتابه .
[ فَإِنْ شَهِدُوا ] بعد ما حضروا بأنّ حرّم هذا [ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ] أي فلا تصدّقهم فإنّه كذب محض ، وبيّن لهم فساده ، وحاصل المعنى : إن لم يجدوا شاهدا يشهد لم على تحريمها غيرهم وشهدوا بأنفسهم فلا تشهد أنت معهم وإنّما نهاه عن الشهادة معهم لأنّ شهادتهم باطلة .
فإن قيل : كيف دعاهم إلى الشهادة ثمّ منع نبيّه فقال : « ولا تشهد معهم » ؟
لأنّه تعالى أمرهم أن يأتوا بالعدل والَّذين يشهدون بالحقّ ، وذلك لا يكون فإذا لم يجدوا ذلك وشهد جهّالهم لأنفسهم فلا ينبغي أن تقبل شهادتهم وتشهد معهم لأنّها ترجع إلى دعوى الباطل . وقيل : معنى الآية من قوله : « هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ » أراد سبحانه هاتوا شهداءكم من غيركم ولم يكن أحد غير العرب يشهد على ذلك ، لأنّ العرب شرّعوا هذه البدع من عند أنفسهم .
[ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ] الخطاب للنبيّ ، والمراد الامّة أي لا تتبّع أهواء المكذّبين كعبدة الأوثان ، والموصول الثاني في قوله [ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ] عطف على الموصول الأوّل بطريق عطف الصّفة على الصّفة مع اتّحاد الموصوف فإنّ الَّذي يكذّب بآياته لا يؤمن بالآخرة وبالعكس [ وهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ] أي يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 283
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٨٣