وحاصل المعنى إنكار أنّ اللَّه حرّم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة ذكرا وأنثى أو ما يحمل إناثها ردّا عليهم فإنّهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام كالحام فإنّه إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرّموه ولم يمنعوه ماء ولا مرعى ، وقالوا : قد حمى ظهره ، وكالوصيلة فإنّ الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدتهما وصلت الأنثى أخاها ويحرّمون إناثها تارة ، وكالبحيرة والسائبة فإنّه إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا اذنها وخلَّوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب .
وكان الرّجل منهم يقول : إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها ، وكانوا إذا ولدت النوق البحائر والسوائب فصيلا حيّا حرّموا لحم الفصيل على النساء دون الرّجال وإن ولدت فصيلا ميّتا اشترك الرّجال والنساء في لحم الفصيل ولا يفرّقون بين الذكور والإناث في حقّ الأولاد ، وقد أشرنا إلى هذا البيان سابقا .
* ( [ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ] ) * أي أكنتم حضورا إذ وصّاكم اللَّه بهذا وأمركم به ؟ والمراد أنّكم أعلتموه بالسمع والكتب المنزلة وأنتم لا تقرّون بذلك أم شافهكم اللَّه به ؟ وإذا لم يكن واحدا من الأمرين سقط المذهب وعلم بطلانه .
* ( [ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً ] ) * أي من أظلم لنفسه ممّن كذب على اللَّه أضاف إليه تعالى ما لم يكن في أمره وحكمه . وحاصل الآية أنّ المشركين من أهل الجاهليّة لمّا حرّموا بعض الأنعام من عند أنفسهم فاحتجّ اللَّه عليهم على إبطال قولهم بأنّه تعالى إن كان حرّم من هذه الأنعام الذّكر منها وجب أن يكون كلّ ذكورها حراما وإن كان حرّم الأنثى وجب أن يكون كلّ إناثها حراما ، وكذلك قوله : « أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْه أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ » أي إن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلَّها لأنّ الأرحام تشتمل على الذكور والإناث فلمّا لم يكن كذلك فثبت أنّها بدع اخترعوها من عند أنفسهم .
وقال الرازيّ : الأقرب في تفسير الآية عندي غير ما فسّره المفسّرون ، وهو أنّه المراد من الآية أنّكم لا تقرّون بنبوة نبيّ ، ولا تعرفون شريعة شارع فكيف تحكمون
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 277
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٧٧