فإن قيل : كيف أقرّوا في هنا وهذه الآية ، وجحدوه في قوله : « واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » « 1 » فالجواب أنّ مواقف القيامة كثيرة ، والأحوال فيها مختلفة فتارة يقرّون من شدّة خوفهم وتارة يجحدون فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه .
غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ] كأنّه تعالى يبيّن سبب كفرهم بقوله : وغرّتهم الحياة الدّنياَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ] في الآخرة بالكفر أو يشهد جوارحهم بالشّرك والكفرَنَّهُمْ كانُوا ] في الدّنياافِرِينَ ] بالآيات والنّذر ، وهذا البيان تحذير للسّامعين من مثل حالهم حتّى لا يصيرون مثلهم .
* ( [ ذلِكَ ] ) * أي إرسال الرّسل * ( [ أَنْ ] ) * اللَّام مقدّرة وهي مخفّفة أي لأنّ الشان * ( [ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها غافِلُونَ ] ) * أي بسبب ظلم أقدموا عليه حتّى يبعث إليهم رسلا ينبّهونهم ويزجرونهم ولا يؤاخذهم بغته ، وهذا إنّما يكون منه تعالى على وجه الاستظهار في الحجّة دون أن يكون ذلك واجبا لأنّ ما فعلوه من الظلم قد استحقّوا به العقاب . وقيل : معناه أنّه تعالى لا يهلكهم بظلم منه على غفلة منهم من غير تنبيه وتذكير ، عن الجبّائيّ والفرّاء . مثل قوله : « وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها مُصْلِحُونَ » « 2 » وفي هذا دلالة على أنّه منزّه عن خلق الظلم ولو كان الظَّلم من خلقه لما صحّ تنزّهه عنه ، تعالى اللَّه عن الظلم علوّا كبيرا . وما قالته الأشاعرة : أنّه تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله كلام تامّ صحيح لكن لا يصدر منه تعالى غير الحسن وهو منزّه عن القبيح والظَّلم ، وإرادته وخلقه قبيح عقلا ونصّا مثل هذه الآية ، وكيف يجوز أن ينسب إلى الحكيم الغنيّ القبيح مع أنّه غير مضطرّ إلى القبيح ؟ النهاية أنّهم يقولون : لمّا صدر منه تعالى لا يكون قبيحا وهذه سفسطة . فمن موادّ الخلف بين الأشاعرة والمعتزلة هذا الكلام .
* ( [ ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ] ) * أي ولكلّ من المكلَّفين من الثقلين مؤمنين كانوا أو كافرين مراتب كائنة من أعمالهم صالحة كانت أو سيّئة فلأهل الخير درجات في الجنّة
هامش
( 1 ) الانعام : 23 .
( 2 ) هود : 119 .