تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وفي قوله : « ورَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » يفيد الحصر بالبرهان فإنّه تعالى غنيّ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه من كلّ ما سواه لأنّه لو كان محتاجا لكان مستكملا بذلك الفعل والمستكمل بغيره ناقص بذاته لأنّ كلّ إيجاب أو سلب يفرض فإن كانت ذاته كافية في تحقّقه وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته ، وإن لم يكن كافية فحينئذ يتوقّف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل وعدمه ، فذاته لا تنفكّ عن ذلك الثبوت والعدم ، وهما موقوفان على وجود ذلك السّبب المنفصل فليزم كون ذاته موقوفة على الغير ممكن لذاته فيكون حينئذ الواجب لذاته ممكنا لذاته وهو محال . فثبت أنّه غنيّ على الإطلاق ، فلا غنيّ إلَّا هو ، لأنّ واجب الوجود لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج فثبت الحصر بهذا البرهان . وأمّا إثبات الحصر في كونه تعالى ذا والرّحمة فالدّليل عليه أنّه لا شكّ أنّ ما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه من الراحات والكرامات والسعادات وغيرها فهو منه ، ودلّ الاستقراء على أنّ الخير غالب على الشرّ فإنّ المريض وإن كان كثيرا فالصّحيح أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيرا فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن كان كثيرا إلَّا أنّ البصير أكثر منه فالخير أكثر من الشرّ ، ومبدأ تلك الخيرات هو اللَّه والواجب لذاته واحد وما سواه ممكن والرّحمة داخلة فيما سواه فإيجادها منه ، فثبت صحّة الحصر . فإن قيل : كيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الوالد والمولى على العبد وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟ فالجواب أنّ كلَّها من اللَّه وهؤلاء وسائط جعلها اللَّه لنظام العالم لأنّه تعالى ألقى الرّحمة وداعيتها في قلب الوالد والمولى ، وبتسخير منه تعالى ، ألا ترى أنّ الإنسان قد يكون شديد الغضب قاسي القلب على إنسان ، ثمّ بسبب ينقلب رؤوفا عطوفا ؟ فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية بتسبيبه تعالى . فمقلَّب القلوب هو اللَّه في جميع الخيرات فانحصرت الرّحمة به تعالى ، على أنّه