تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
الإيمان والثبات عليه ، وهذه الألطاف إنّما تقع منه تعالى للمؤمن بعد أن صار مؤمنا كما قال سبحانه : « ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّه يَهْدِ قَلْبَه » « 1 » وكذلك قوله تعالى : « والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » « 2 » . فأمّا إذا كفر وعاند وأراد اللَّه أن يضلَّه عن طريق الجنّة فعند ذلك يلقي في صدره الضّيق والحرج فالعبد بسبب هذه الدرجة من قبول الإيمان وجد انشراح الصدر ، والكافر بسبب هذه الدركة من قبول الكفر واختيار الكفر على الإيمان وجد هذا الضيق والحرج والبأس من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الإيمان وسالبا إيّاه عن القدرة على الإيمان ، وكيف يجوز ذلك وقد ذمّ اللَّه تعالى فرعون والسامريّ على إضلالهما عن دين الهدى ؟ فقال تعالى : « وأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَه وما هَدى » « 3 » وقال تعالى : « وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » « 4 » فكيف ينسب إليه تعالى ما ذمّ عليه غيره ؟ انتهى . قوله : * ( [ كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ] ) * أي إنّ هذا الكافر إذا دعي إلى الإسلام كأنّه مكلَّف بصعود السماء . وقيل : المعنى : كأنّهما ينزع قلبه إلى السماء لشدّة المشقّة عليه من مفارقة مذهبه الباطل بسبب ذلك الضّيق والحرج . قال الزجّاج : « الحرج » في اللَّغة أضيق الضيق ، وقرء « حَرَجاً » بكسر الرّاء فمن قال : « حرج » بفتح الراء معناه : ذو حرج و « الحرج » بكسر الراء نهاية الضيق وبالفتح جمع « حرجة » وهو الموضع الكثير الأشجار الَّذي لا تناله الراعية ، المشتبك الَّذي لا طريق فيه لأحد . شبّه سبحانه قلب الكافر بهذا الموضع الَّذي لا ينتفع أحد منه ، ولا طريق فيه ، كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير بكفره . وأمّا قوله : « يَصَّعَّدُ » فقرء « يصّاعد » بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والمشهور « يَصَّعَّدُ » بتشديد الصاد والعين بغير ألف . وقرء « يصعد » قرأه ابن كثير فهي من الصعود ، وبالجملة ففي كيفيّة هذا التشبيه وجهان :
هامش
( 1 ) المنافقون : 11 . ( 2 ) العنكبوت : 69 . ( 3 ) طه : 51 و 87 . ( 4 ) طه : 51 و 87 .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 258 | مير سيد علي الحائري الطهراني