لما تقدّم ذكر المؤمنين والكافرين بيّن عقيبه ما يفعل بكلّ من القبيلتين ما يستحقّون من اختيارهم فقال :
* ( [ فَمَنْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يَهْدِيَه ] ) * ويثبّته على الهدى * ( [ يَشْرَحْ صَدْرَه ] ) * جزاء له على إيمانه واهتدائه . وقد يطلق لفظ الهدى والمراد به الاستدامة كما في قوله : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » أو المعنى : من يرد اللَّه أن يهديه إلى الثواب والجنّة يشرح صدره للإسلام في الدّنيا بأن يثبّت عزمه عليه ويقوّي دواعيه على التمسّك به ويزيل عن قلبه وساوس الشيطان وما يعرض في القلوب من الخواطر الفاسدة ، وإنّما يفعل ذلك منّا عليه وثوابا على اهتدائه نظير قوله تعالى : « والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » « 1 » « ويَزِيدُ اللَّه الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » « 2 » وهذا المعنى أيضا قريب من المعنى الأوّل .
وقد وردت الرّواية الصّحيحة أنّه لمّا نزلت هذه الآية سئل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن شرح الصّدر ما هو ؟ فقال : نور يقذفه اللَّه في قلب المؤمن فيشرح له صدره وينفسخ قالوا : فهل لذلك إمارة يعرف بها ؟ قال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت .
* ( [ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه ] ) * أي يخذله بسبب اختياره الكفر ويخلَّي بينه وبين ما يريده * ( [ يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً ] ) * بأن يمنعه ألطاف شرح الصّدر لخروجه عن قبول الإيمان جزاء على سوء اختياره من غير أن يمنعه عن الإيمان أو يريد منه الكفر أو يخلق فيه الكفر كما زعمت الأشاعرة ، فإنّهم استدلَّوا بظاهر الآية على ثبوت مدّعاهم الفاسد واعتمادهم في إثبات العلم والدّاعية ، وقالوا : إنّهما يوجبان الفعل وليس كذلك ، نعم الداعي من معدّات الفعل لكن في الدّاعي لم لا يقولون من العبد ؟ وداعيتهم ميلهم إلى هذا الأمر الشنيع ، وذلك الميل واختيار السوء يوجب إتيان الفعل كميل السارق إلى السّرقة لميله إلى المسروق به طمعا في استدراكه ، وكيف يكون أن يخلق فيهم داعية الكفر ويريد منهم وقوعه ويأمرهم بضدّه وهو الإيمان ؟ فإنّه متى ما خلق فيهم أمرا وشاء وأراد وقوع ذلك الأمر لن يقع غيره البتّة فحينئذ كيف يجوز عقاب فعل
هامش
( 1 ) محمّد : 19 .
( 2 ) مريم : 78 .