يقع من فاعل لا يتمكّن أن يفعل غير ذلك الفعل فحينئذ إمّا أن يقول : إنّ الكافر غير معاقب البتّة ، وإمّا أن يقول : إنّ اللَّه قد أمر بما لا يطاق ولا يتمكّن ، وهو أقبح أقسام الظلم ، تعالى عن ذلك .
وأمّا مسألة العلم فذلك أيضا ليس من موجبات الفعل لأنّ العلم بأنّ القاضي مثلا يضحك ويلاعب امرأته فهل ذلك العلم من موجبات ضحك القاضي ؟ فكذلك علمه تعالى فإنّه لمّا سبق علمه المعلوم وعلم أنّ المعلوم سيكون كتب : كان ، فمثل هذا العلم كيف يكون من موجبات الفعل ؟ .
قالت المعتزلة : إنّ ما تمسّكت به الأشاعرة في هذه الآية ليس بدليل لهم ، وليس معنى الآية أنّه تعالى أضلّ قوما أو يضلَّهم لأنّه ليس فيها من إنّه متى ما أراد أن يهدي إنسانا فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليس في الآية أنّه تعالى يريد ذلك أولا يريده ، والدّليل عليه أنّه تعالى قال : « لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناه مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ » « 1 » فبيّن أنّه يفعل اللَّهو لو أراده ولا خلاف أنّه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله .
ثمّ إنّه تعالى لم يقل : ومن يرد أن يضلَّه عن الإيمان ، بل قال : « ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه » فلم قلتم : إنّ المراد : ومن يرد أن يضلَّه عن الإيمان ؟ وقد بيّن سبحانه في آخر الآية أنّه إنّما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره وأنّه ليس ذلك على سبيل الابتداء فإنّه قال : « كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّه الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » فثبت بطلان الجبر .
وتفسير الآية وهو الَّذي اختاره الجبّائيّ والقاضي عبد الجبّار وأبطال المعتزلة وجمهور الإماميّة أنّ من يرد اللَّه أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنّة بسبب حسن قبوله يشرح صدره للإسلام حتّى يثبت عليه ولا يزول عنه ثوابا على قبولهم الطَّاعة .
وتفسير هذا الشرح في الصّدر هو أنّه يفعل به ألطافا يدعوه إلى البقاء على
هامش
( 1 ) الأنبياء : 17 .