بعد ذلك نزل به القرآن ، لكنّ العلماء مثل الرازيّ وأشباهه لم يتقنّعوا بهذا الجواب وقالوا : المراد من قوله : « وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ » هذه الآية وهي قوله : « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُه إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً » ، الآية « 1 » .
فإن قلت : إنّ الإيراد أيضا وارد لأنّ صيغة « فَصَّلَ » يقتضي التقدّم وهذه الآية أيضا متأخّرة فأجاب الرازيّ عن هذا الإشكال بحجّة ضعيفة وهي أنّ هذا القدر من التأخّر لا يمنع أن يكون هو المراد .
والحقّ أنّ هذا الجواب عن هذا الفاضل تكلَّف والأولى ما ذكره الطبرسيّ بأن حمله على التفصيل من لسان الرّسول والوحي الغير المتلوّ كما أشرنا إليه .
* ( [ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه ] ) * أي إلَّا ما خفتم على نفوسكم الهلاك من الجوع إذا تركتم الأكل منه فحينئذ يجوز لكم تناوله وإن كان ممّا حرّمه اللَّه ، واختلف في مقدار ما يسوغ أكله عند الاضطرار فعندنا الإماميّة لا يجوز إلَّا ما يمسك به الرمق وقال قوم :
يجوز أن يشبع المضطرّ منها وأن يحمل منها حتّى يجد ما يأكل .
قال الجبّائيّ : إنّ في هذه الآية دلالة على أنّ ما يكره على أكله من هذه الأجناس يجوز أكله لأنّ المكره يخاف على نفسه مثل المضطرّ ، والاستثناء في الآية متّصل والمستثنى منه ما حرّم و « ما » مصدريّة بمعنى المدّة لكن إن جعلت « ما » موصوله تعيّن أن يكون الاستثناء منقطعا لأنّ ما اضطرّ إليه حلال فلا يدخل تحت ما حرّم عليهم .
* ( [ وإِنَّ كَثِيراً ] ) * من الكفّار * ( [ لَيُضِلُّونَ ] ) * النّاس * ( [ بِأَهْوائِهِمْ ] ) * وبما تهوي أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها * ( [ بِغَيْرِ عِلْمٍ ] ) * مقتبس من الشريعة الشريفة مستندا إلى الوحي [ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِه وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ] المتجاوزين الحقّ إلى الباطل والحلال إلى الحرام .
قال الطبرسيّ : إنّ في هذه الآية وهي « فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّه » دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة ، وعلى أنّ ذبائح الكفّار لا يجوز أكلها لأنّهم لا يسمّون اللَّه تعالى عليها وأنّ من سمّى عليها منهم لا يعتقد وجوب ذلك حقيقة لأنّ الَّذي يسمّي هو الَّذي يؤيّد شرع موسى وعيسى ومخالف لشريعة يجب فيها التسمية فإذا لا يذكر اللَّه حقيقة .
هامش
( 1 ) الانعام : 146 .