تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
يكون من صفة الكمال أولا يكون فإن كان من صفات الكمال مع أنّه حصل ما به الامتياز لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما ، وإن لم يكن ذلك المميّز من صفات الكمال فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال وذلك نقصان ولا يصلح للإلهيّة ، انتهى كلامه . قالت الأشاعرة : إنّ قوله : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » يدلّ على أنّه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء واللَّه خالق كلّ شيء بحكم الآية . وأجاب الطبرسيّ عنه ، وقد ذكرناه قبيل هذا . ولا بأس بذكر الجواب الآخر : وهو أنّ هذا اللَّفظ وإن كان عامّا إلَّا أنّه حصل مع هذه الآية وجوه يدلّ على أنّ أعمال العباد خارجة عن هذا العموم لأنّه قال سبحانه : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه » فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرّة أخرى ، ومعلوم أنّ ذلك فاسد قطعا . وأيضا أنّه تعالى إنّما ذكر قوله : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » في معرض القدرة والثناء على نفسه فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا وثناء بل ثبت قدحا لأنّه لا يليق بذاته سبحانه أن يتمدّح بخلق الزّنا واللَّواط والسرقة والكفر . والجواب الثالث أنّه قال بعد هذه الآية : « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها » وهذا تصريح بكون العبد مستقلَّا بالفعل والتّرك ، ولا مانع له من الفعل والتّرك وذلك يدلّ على أنّ فعل العبد غير مخلوق للَّه إذ لو كان مخلوقا للَّه لما كان العبد مستقلَّا به لأنّه إذا أو جده اللَّه امتنع من العبد الدّفع ولا يصحّ أن يقال : فعل العبد مخلوق للَّه ، فقوله : « فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها » يوجب تخصيص ذلك العموم . قوله * ( [ لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ ] ) * أي لا تراه العيون لأنّ الإدراك متى قرن بالبصر لم يفهم منه إلا الرّؤية كما لو قيل : أدركت باذني لم يفهم منه إلا السّماع * ( [ وهُوَ يُدْرِكُ