نزلت في الَّذين قالوا : إنّ اللَّه وإبليس أخوان ، فاللَّه تعالى خالق الناس والخيرات والأنعام والحيوانات النافعة ، وإبليس خالق الشرور والحيوانات الضارّة كالسباع والحيّات والعقارب وهذا مذهب المجوس ، ويطلق عليهم الزنادقة لأنّ الكتاب الَّذي زعم زرادشت أنّه كتاب مذهبه مسمّى بالزند والمنسوب إليه يسمّى « زنديّ » ثمّ عرّب فقيل : زنديق ، وجمعه الزنادقة ، فقالوا : كلّ ما في هذا العالم من الخيرات فهو من « يزدان » وجميع ما فيه من الشرور وفهو من « أهرمن » وهو المسمّى في شرعنا بإبليس ثمّ هؤلاء الزّنادقة اختلفوا ، فالأكثرون منهم على أنّ أهرمن محدث والأقلَّون منهم قالوا : إنّه قديم أزلىّ ، وعلى القولين اتّفقوا على أنّه شريك للَّه في تدبير العالم فخيراته من اللَّه وشروره من إبليس .
فإن قيل : إنّه على هذا البيان فالقوم أثبتوا للَّه شريكا واحدا وهو إبليس فكيف قال سبحانه حكاية عنهم : وأثبتوا للَّه شركاء ؟ لأنّهم كانوا يقولون : عسكر اللَّه هم الملائكة وعسكر الإبليس هم الشّياطين ، والملائكة يلهمون الخلق بالخيرات والشياطين يلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشريّة أو اللَّه مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين وهذا معنى قوله تعالى :
* ( [ وجَعَلُوا لِلَّه شُرَكاءَ الْجِنَّ ] ) * وشركاء الجنّ الملائكة والأبالسة لاستتارهم عن الأعين ، وقيل : إنّ قريشا كانوا يقولون أي بعضهم كان يقول : إنّ اللَّه صاهر الجنّ فحدث بينهما الملائكة ، فيكون على هذا القول المراد به الجنّ المعروف لا الملائكة كما قال سبحانه : « وجَعَلُوا بَيْنَه وبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً » « 1 » أو المراد من قوله : « وجَعَلُوا بَيْنَه وبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً » الملائكة لا الجنّ حيث قالوا : الملائكة بنات اللَّه .
* ( [ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَه بَنِينَ وبَناتٍ ] ) * أي وجعلوا مخلوقه شريكا والمخلوق كيف يكون شريك الخالق ؟ وخرقوا له أي وموّهوا وافتروا الكذب على اللَّه ونسبوا البنين والبنات إلى اللَّه تعالى فإنّ المشركين قالوا : الملائكة بنات اللَّه ، والنصارى قالوا :
المسيح ابن اللَّه ، واليهود قالوا : عزير ابن اللَّه * ( [ بِغَيْرِ عِلْمٍ ] ) * وحجّة قاطعة ولكن جهلا منهم باللَّه وبعظمته .
هامش
( 1 ) الصافات : 158 .