الصاعدة إلى الهواء ، والشقّ السافل يخرج منه الشجرة الهابطة الراسخة في الأرض المسمّى بعروق الشجرة وتصير تلك الحبّة والنواة سببا لاتّصال الصاعدة والراسخة .
ثمّ إنّ هاهنا عجائب ودلائل على إثبات الصانع الفرد تعالى شانه : فإحداها أنّ طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في عمق الأرض فكيف تولَّدت فيها الصاعدة في الهواء ؟ وإن كانت يقتضي الصعود في الهواء فكيف تولَّدت منها الهابطة ؟
فلمّا تولَّد منها هاتان الشجرتان الموصوفتان باقتضائين متناقضين في الصعود والهويّ مع أنّ الحسّ والعقل يشهد باختلاف الطبيعتين مع أنّ الحبّة طبيعة مقتضاها أحد الأمرين فثبت أنّ ذلك ليس بمجرّد الطبع والاقتضاء بل لا بدّ من مقتض ومبدع آخر .
وثانيتها أنّ باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلَّة « 1 » القويّة فيه ولا يغوص السكّين الحادّ القويّ فيه ونحن نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقّة واللَّطافة بحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى فرك لصارت كالماء ، وهي مع هذه اللَّطافة والرّخوة يقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة على خلاف الطبيعة ولا بدّ أن يكون بتدبير مدبّر ماهر وتقدير العزيز العليم .
وثالثتها أنّه يتولَّد من تلك النواة شجرة ، ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة فإنّ قشر الشجرة له طبيعة مخصوصة وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش . « 2 »
ثمّ إنّه يتولَّد من ساق الشجرة أغصانها ومن الأغصان الأوراق أوّلا وهي مخضرّة اللَّون ، ثمّ الأزهار وهي محمرّة ومصفرّة بألوان مختلفة من شجرة واحدة ثمّ الفاكهة وفي الفاكهة قشور وغشاء وجرم ولبّ ، وكلّ منها له طبيعة مختلفة وطعوم متغايرة مع تساوي تأثيرات الطبائع والفصول الأربعة وتساوي تأثيراتها يقتضي طبيعة واحدة ، فهذه المختلفات ولو يكون من تدبير الطبيعة لكان طبيعة الشجرة يظهر منها أثر واحد أو آثار متساوية الصورة والمعنى ، فإنّك تجد الطبائع المتضادّة في
هامش
( 1 ) المسلة - بكسر الميم وفتح السين - الإبرة الكبيرة .
( 2 ) الصوف المصبوغ المتفرق اجزاؤه .