فالصبح الأوّل أقوى دليلا على القدرة من الصبح الثاني لأنه لعل أن يقال : أنّ الصّبح الثّاني من أثر قرص الشمس لكن الصّبح الأوّل لا يقال فيه هذا لأنّه لو كان الصّبح الأوّل من أثر قرص الشّمس لامتنع كونه خطَّا مستطيلا بل يجب أن يكون مستطيرا في الأفق منتشرا وأن يكون متزائدا متكاملا بحسب كلّ حين وآن ولحظة ، ولمّا لم يكن الأمر كذلك بل يحصل عقيبه ظلمة خالصة ، ثمّ يحصل الصّبح المستطير بعد ذلك ، فعلمنا أنّ ذلك الصّبح المستطيل ليس من تأثير الشمس ولا من جنس نوره وحاصل بتخليق اللَّه ابتداء تنبيها على أنّ الأنوار ليس لها وجود إلَّا بتخليقه على أنّ المراد من الصّبح هو النّور المنبسط والضّوء الحاصل من الشمس الواقع على الجرم المقابل . والمنوّر لذلك المبدء تخليق اللَّه ذلك النور فيه فإنّه متغيّرا طوره وهو دليل حدوثه ولا بدّ له من محدث قادر مختار فهو تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة العالم الجسمانيّ بتخليص النّفس عن العلائق والشّهوات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبّر المحدثات .
قوله : * ( [ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ] ) * تسكنون فيه للرّاحة * ( [ والشَّمْسَ والْقَمَرَ ] ) * أي وجعلهما * ( [ حُسْباناً ] ) * والحسبان بالضمّ مصدر بمعنى الحساب والعدد بابه نصر . وأمّا الحسبان بكسر الحاء فهو من باب علم ومعناه التخمين والظنّ فالمعنى جعلها سبحانه على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ، والشّمس معدن الأنوار الفلكيّة من البدور والنّجوم ، وأنوارها مقتبسة من نور الشّمس على قدر تقابلهم وصفوة أجرامهم .
* ( [ ذلِكَ ] ) * إشارة إلى جعلهما حسبانا أي ذلك السير البديع بالحساب المعلوم تقدير العزيز العليم الَّذي قهرهما على السير المخصوص والعالم بما فيهما من المنافع والمصالح المتعلَّقة بمعاشهم وأوقات عباداتهم ومعاملاتهم ومقتضيات فصولهم لأثمارهم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 97 إلى 98 ] وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 )
قوله تعالى :
هذا هو النّوع الثّالث من الدّلائل على القدرة والحكمة : وهو خلق هذه