قال الرازيّ : هذا هو الرواية المشهورة ولعلّ الغضب المدهش للعقل حمله على طغيان اللَّسان ، مع أنّه كان مفتخرا باليهوديّة .
وأمّا الجواب عن أنّ هذه السورة مكّيّة ونزلت دفعة واحدة فلا يمنع أن يقال :
بأنّ سبب نزول الآية مناظرة اليهوديّ ، وقال الرازيّ : القائلون بهذا القول قالوا :
السورة كلَّها مكّيّة ونزلت دفعة واحدة إلَّا هذه الآية ، فإنّها نزلت في المدينة .
* ( [ قُلْ ] ) * لهم على سبيل التبكيت والإلزام : * ( [ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِه مُوسى ] ) * يعنى التوراة ، حال كون ذلك الكتاب * ( [ نُوراً ] ) * بيّنا بنفسه ومبيّنا لغيره كما يستضاء بالضياء * ( [ وهُدىً ] ) * بيانا * ( [ لِلنَّاسِ ] ) * و * ( [ تَجْعَلُونَه قَراطِيسَ ] ) * أي وحال كونه تضعونه في قراطيس مقطَّعة وورقات متفرّقة ، بحذف الجارّ ، على تشبيه القراطيس بالظرف ، جمع قرطاس بمعنى الصحيفة * ( [ تُبْدُونَها ] ) * صفة قراطيس ، أي تظهرون منها ما تحبّون إبداءه * ( [ وتُخْفُونَ كَثِيراً ] ) * ممّا فيها ممّا كتموه من أحكام التوراة .
* ( [ وعُلِّمْتُمْ ] ) * أيّها اليهود على لسان محمّد بالقرآن * ( [ ما لَمْ تَعْلَمُوا ] ) * وقيل : إنّه خطاب للمسلمين يذكّرهم ما أنعم به عليهم . قال أبو عليّ الفارسيّ : « تَجْعَلُونَه قَراطِيسَ » أي تجعلونه ذا قراطيس وتودعونه إيّاها * ( [ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ] ) * أي دعهم وما يختارونه من العناد وما خاضوا فيه من الباطل واللَّعب ، وليس هذا البيان لترك الإنذار والدعاء بل ضرب من التوعيد والتهديد ، كأنّه سبحانه قال : دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 92 ] وهذا كِتابٌ أَنْزَلْناه مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه ولِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِه وهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 )
قوله تعالى :
لمّا احتجّ سبحانه بإنزال التوراة على موسى بيّن أنّ سبيل القرآن سبيلها ، فقال : * ( [ وهذا كِتابٌ ] ) * أي القرآن * ( [ أَنْزَلْناه ] ) * من السماء إلى الأرض لأنّ جبرئيل أتى به * ( [ مُبارَكٌ ] ) * ممدوح مستسعد به فكلّ من تمسّك به نال الفوز ، وثابت خيره لم يزل لأنّ قراءته خير والعمل به خير وفيه علم الأوّلين والآخرين وفيه بشارة المغفرة والحلال والحرام ، وزيادة البيان على ما في الكتب المتقدّمة وباق حكمه إلى آخر الدهر