وبعضهم أنكروا في الإمكان خرق العادات وإيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة وهؤلاء أيضا ما قدروا اللَّه حقّ قدره .
ثمّ إنّه لمّا ثبت حدوث العالم بحدوثه يدلّ على أنّ الإله قديم قادر وأنّ الخلق كلَّهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق ، وملك لهم على الإطلاق ، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده ، وأن يكون له وعد على الطاعة ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتمّ ولا يكمل إلَّا بإرسال الرّسل وإنزال الكتب فكلّ من أنكر ذلك فقد طعن في كونه ملكا مطاعا فهو ما قدر اللَّه حقّ قدره .
فلو قيل : إنّ هؤلاء الَّذين حكى اللَّه عنهم أنّهم قالوا : « ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ » إمّا أنّهم كفّار قريش أو يقال : إنّهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإن كان الأوّل فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله : « قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِه مُوسى » وذلك لأنّ المشركين وكفّار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء ، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم ؟ وإن كان الثاني وهو أنّ قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى فهذا أيضا مشكل لأنّهم لا يقولون هذا القول وكيف يقولونه مع أنّ مذهبهم أنّ التوراة كتاب أنزله اللَّه على موسى والإنجيل كتاب أنزله اللَّه على عيسى عليه السلام ؟ وأيضا فهذه السورة مكّيّة ، والمناظرات الَّتي وقعت بين رسول اللَّه وبين اليهود والنصارى كلَّها مدنيّة فكيف هذا الإشكال ؟
أمّا الجواب عن الأوّل أنّه لمّا قال رسول اللَّه لمالك بن الصيف - وكان من أحبار اليهود - : هل وجدت في التوراة مذكورا بأنّ اللَّه يبغض الحبر السّمين ؟ وأنت الحبر السّمين وقد سمنت من الأشياء الَّتي قطعك اليهود وضحك القوم ، فغضب من هذا الكلام مالك والتفت إلى عمر ، فقال : ما أنزل اللَّه على بشر من شيء فقالوا له قوم : ويلك ما هذا الَّذي بلغنا عنك ؟ فقال : إنّه أغضبني .
ثمّ إنّ اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رئاستهم وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 209
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٠٩