تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
لمّا تقدّم ذكر الأنبياء والنبوّة عقّبه بمن أنكر النبوّة فقال : * ( [ وما قَدَرُوا اللَّه ] ) * أي ما عرفوا اللَّه حقّ معرفته وما عظَّموه حقّ عظمته * ( [ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ] ) * أي ما أرسل اللَّه رسولا ولم ينزّل على بشر شيئا وذلك أنّه جاء رجل من اليهود يقال له : مالك بن الصيف فخاصم النبيّ فقال له النبيّ : أنشدك بالَّذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ اللَّه يبغض الحبر السمين ؟ وكان سمينا فغضب فقال : واللَّه ما أنزل اللَّه على بشر من شيء ، فقال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ويحك ولا موسى ؟ فنزلت الآية عن سعيد بن جبير وقيل : إنّ الرجل كان فنحاص بن عازورا وهو قائل هذه المقالة عن السدّيّ . وقيل : إنّ اليهود قالت : يا محمّد أنزل اللَّه عليك كتابا ؟ قال : نعم ، قالوا : واللَّه ما أنزل اللَّه من السماء كتابا ، فنزلت الآية وفي رواية أخرى أنّها في الكفّار أنكروا قدرة اللَّه عليهم ومن أقرّ أنّ اللَّه على كلّ شيء قدير فقد قدر اللَّه حقّ قدره . وقيل : نزلت في مشركي قريش . واعلم أنّ منكر البعثة والرّسالة ما عرف اللَّه حقّ قدره ، وذلك لأنّه إمّا أن يقول : ما كلَّف اللَّه أحدا من الخلق تكليفا أصلا أو يقول : إنّه كلَّفهم التكاليف ، والأوّل باطل لأنّ ذلك يقتضي أنّه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو وصفه تعالى بما لا يليق به وشتمه والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدّين ، وظلم بعضهم بعضا ، ومعلوم أنّ ذلك كلَّه باطل وأمّا أن يسلَّم أنّه تعالى كلَّف الخلق بالأوامر والنواهي فههنا لا بدّ من مبلَّغ ومبيّن وشارع ، وما ذاك إلَّا الرسول . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنّ العقل كاف في إيجاب الواجبات ، واجتناب المقبّحات ؟ قلنا : هب إنّ الأمر كما قلتم إلَّا أنّه لا يمتنع تأكيد التعريف العقليّ بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء فثبت أنّ كلّ من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة اللَّه ، وما عرف اللَّه ، وكان جاهلا بصفة الإلهيّه فما قدر اللَّه حق قدره