اللَّه من العلوم والمعارف والوحي ما لأجله بها يقدرون على التصرّف في بواطن الأمور وظواهرها ، ثمّ قال * ( [ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ ] ) * يعني كفّار قريش أو الكفّار الَّذين جحدوا نبوّة النبيّ في ذلك الوقت * ( [ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً ] ) * أي غير إعادة أمر النبوّة وتعظيمها والأخذ بالهدى * ( [ قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ] ) * في وقت من الأوقات بل مستمرّون على الإيمان بها .
واختلف في المقصودين بذلك فقيل : عنى به الأنبياء الَّذين جرى ذكرهم هم آمنوا بما أتى به محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم قبل مبعثه ، عن الطبريّ والجبّائيّ والحسن والزجّاج ، وقيل :
عنى به الملائكة عن الفرّاء والضحّاك ، وقيل : هم الأنصار والمهاجرون ، وقيل : هم الفرس ، وقيل من لم يكفر فهو من القوم . قال الرازيّ : إنّ المراد الملائكة بعيد لأنّ اسم « القوم » قلَّما يقع على غير بني آدم .
[ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه ] أي هداهم اللَّه إلى الصبروا لحقّ [ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ] فأمر نبيّه بطريقتهم في توحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فإنّها بعد النسخ لا تبقى هدى بل متروكة .
واحتجّ العلماء على أنّه أفضل جميع الأنبياء لأنّ هؤلاء المذكورين كلّ منهم قد غلب عليه خصلة معيّنة كما شرحنا قبل هذا فجمع اللَّه كلّ هذه الخصال في محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم لأنّه إذا كان مأمورا بالاقتداء لم يقصّر في التحصيل فكان مستجمعا لها أجمع [ قُلْ ] لكفّار قريش [ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه ] أي على القرآن [ أَجْراً ] وجعلا من جهتكم كما لم يسأله من قبلي من الأنبياء ، وهذا من جملة ما امر به من الاقتداء بهم فيه [ إِنْ هُوَ ] أي القرآن [ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ] أي إلَّا عظة وتذكيرا لهم من جهة تعالى فلا يختصّ بقوم دون قوم آخرين ، وفي الآية دلالة على أن نبيّنا صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم مبعوث إلى كافّة العالمين وأنّ النبوّة مختومة لأنّه تعالى قال : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ » .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 91 ] وما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِه مُوسى نُوراً وهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَه قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّه ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 )
قوله تعالى :