أن يقال : إنّ إبراهيم قال على سبيل الجزم : « هذا رَبِّي » بل قال لإبطال كلام الخصم ، ولمّا أبطل حجّتهم بالأفول والحدوث والتغيّر واستحال إلهيّتها قال في آخر كلامه :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 78 إلى 79 ] فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 )
أي وجّهت نفسي وتوجّهت مخلصا مائلا عن الشرك إلى الإخلاص لمن خلق السماوات والأرض والكواكب .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 80 إلى 81 ] وحاجَّه قَوْمُه قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّه وقَدْ هَدانِ ولا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِه إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) وكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّه ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 )
قوله :
ثمّ ذكر سبحانه محاجّة إبراهيم مع قومه أي خاصموه وجادلوه قومه وخوّفوه من ترك عبادة آلهتهم فقال : إبراهيم ، أتحاجّونّي في اللَّه وقد هداني ووفّقني لمعرفته * ( [ ولا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِه ] ) * من الأصنام لأنّ الخوف إنّما يحصل ممّن يقدر على النفع والضرّ وهي جمادات لا تقدر .
فإن قيل : إنّه للطلسمات باعتبار ارتباطها بالكواكب قد شوهد منها آثار مخصوصة فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة ؟ فالجواب أنّ قوى الكواكب غير مستقلَّة وإنّما هي من خلق اللَّه فالخوف يكون من اللَّه لا منها * ( [ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي ] ) * أي إلَّا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي ، أو إلَّا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عنّي عادات نعمته ، أو أن يحييها ويمكّنها من خيري ونفعي ، واللَّفظ يحتمل كلّ هذه الوجوه ، والاستثناء متّصل والمستثنى منه محذوف ، والتقدير : لا أخاف معبوداتكم في وقت من الأوقات إلَّا وقت مشيئته شيئا من أصابه مكروه بي من غير دخل لآلهتكم فيه أصلا .
* ( [ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ] ) * أي أحاط بكلّ شيء علما ، كأنّه تعليل للاستثناء