الصفة حتّى كبر وعقل وعرف أنّ له ربّا ، وكانت امّ إبراهيم بعد ما وضعته أخبرت زوجها أنّي وضعت ما في بطني فمات ودفنته في الغار فصدّقها تارخ وبقي إبراهيم في الغار سبعة سنين أو ثلاثة عشر سنة أو سبعة عشر .
فلمّا شبّ إبراهيم أخبرت أو في زوجها أنّ ابنك قد كبر وأنّي كتمت أمره خوفا من نمرود فأرت إبراهيم لأبيها فأسرّ تارخ بذلك غاية ، فقال تارخ لأوفى : لا بدّ أن نخرجه من الغار إلى البلدة فأخرجوه من الغار وقت المساء فرأى إبراهيم لمّا اخرج من الغار غنما وخيلا تحت هضبة الغار ، فسأل امّه إنّ لهذه الخيل والأغنام ربّا يرزقها ويخلقها ولا بدّ لي من ربّ فمن ربّي ؟ فقالت أنا . فقال : ومن ربّك ؟ قالت :
أبوك . فقال : من ربّ أبي ؟ فقالت : ملك البلد فعرف إبراهيم جهلها .
فنظر من باب الغار ليرى شيئا يستدلّ به على وجود الربّ ، فرأى النجم الَّذي هو أضوأ النجوم إمّا الزهرة أو المشتري - حسب ما ذكرنا وكان ذلك وقت اضمحلال نور الشمس قريبا من الغروب فقال : « هذا رَبِّي » .
وقيل : كان هذا الأمر بعد بلوغ إبراهيم ، وجريان قلم التكليف عليه . ومنهم من قال : قبل البلوغ واتّفق أكثر المحقّقين على فساد قول الأوّل بوجوه : الأوّل أنّ القول بربوبيّة النجم كفر بالإجماع ، والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء . الثاني أنّه عليه السلام دعا لآزر إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام حيث قال : « يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » « 1 » ومن دعا غيره إلى اللَّه ولا شكّ أنّه إنّما اشتغل بدعوة أبيه يعني عمّه بعد فراغه من مهمّ نفسه ثبت أنّ هذه الوقعة إنّما وقعت بعد أن عرف اللَّه .
ثمّ إنّ دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها كما شرحوها ، كيف يليق بأعقل العقلاء أن يقول بربوبيّة الكواكب ومن كان منصبه في الدين كذلك بعد أن أراه اللَّه ملكوت السماوات والأرض حتّى رأى من فوق العرش والكرسيّ وما تحتها إلى ما تحت الثرى ، وقد شهد اللَّه له حيث قال : « إِذْ جاءَ رَبَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » « 2 »
هامش
( 1 ) مريم : 43 .
( 2 ) الصافات : 82 .