وأقلّ سلامة القلب سلامته عن الكفر وقال : « ولَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَه مِنْ قَبْلُ وكُنَّا بِه عالِمِينَ » « 1 » أي آتيناه رشده من قبل من أوّل زمان الكفرة وكنّا به عالمين أي بطهارته وكما له .
وقوله : « وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين .
ثمّ قال بعده : « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْه اللَّيْلُ » والفاء تقضي الترتيب ، فثبت أنّ هذه الواقعة إنّما حصلت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربّه ، فعلم أنّ هذه المباحثة إنّما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان ، لا لأجل أنّ إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه .
قال الرازيّ : إنّ الَّذين يقولون : إنّ إبراهيم إنّما اشتغل بالنظر إلى الكواكب والشمس والقمر حال ما كان في الغار غلط لأنّه لو كان الأمر كذلك فكيف يقول :
« يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » لأنّه ما كان معه في الغار لا قوم ولا صنم وأنّ اللَّه لمّا ذكر هذه القصّة قال : « وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِه » ولم يقل : على نفسه ، وقال سبحانه : « وحاجَّه قَوْمُه قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّه » وكيف يحاجّونه وهم بعد وما رأوه وهو ما رآهم فثبت أنّه عليه السلام إنّما اشتغل بالنظر إلى الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادة الأصنام وهو ينكرهم بقوله : « لا أُحِبُّ الآفِلِينَ » ردّا عليهم ، ولا يجوز أن يكون النظر إلى الكواكب لأجل معرفة نفسه لأنّ تلك اللَّيلة كانت مسبوقة بالنهار ولا شكّ أنّ الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدّم ثمّ غربت فكان ينبغي أن يستدلّ بغروبها السابق على أنّها لا تصلح للإلهيّة ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحيّة الشمس للإلهيّة بطل ذلك أيضا في القمر والكواكب بطريق أولى فتبيّن أنّ هذا الأمر والاحتجاج لإبطال الخصم وإلزامه الحجّة ، ولمّا كانت المكالمة والمناظرة مع القوم حال طلوع النجم وامتدّت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده صحّ نظم الكلام فثبت بهذا البيان والدلائل أنّه لا يجوز
هامش
( 1 ) الأنبياء : 52 .