هذا العالم كما قال اللَّه : « أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ » « 1 » بعد أن بيّن في الكواكب أنّها مسخّرة وبتقدير أنّها يصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلَّا أنّ دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى بعبادة الفرع ، سيّما إذا ورد المنع كما أفتى إبراهيم لمّا قال لأبيه : « أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » بأنّ عبادة الأصنام جهل وضلالة .
قوله : * ( [ وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ ] ) * الكاف للتشبيه وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور هاهنا هو أنّه استقبح عبادة الأصنام وهو قوله : « إِنِّي أَراكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه * ( [ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ] ) * ومثل ذلك التبصير نبصّره مالكيّته تعالى لهما . و « الملكوت » مصدر على وزن صيغة المبالغة كالرهبوت والجبروت . ومعنى الملكوت السلطنة القاهرة أو آثارها مثل الشمس والقمر وما في الأرض من البحار والمياه والرياح ليستدلّ بها على معرفة اللَّه فاجري الملكوت على المملوك الَّذي هو فيها مجازا قال أبو جعفر : كشف اللَّه له عن الأرضين حتّى رآهنّ وما تحتهنّ ، وعن السماوات حتّى رآهنّ وما فيهنّ من الملائكة وحملة العرش .
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : لمّا رئي إبراهيم ملكوت السماوات والأرض رأى رجلا يزني فدعا عليه فمات ، ثمّ رأى آخر فدعا عليه فمات ، ثمّ رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا ، فأوحى اللَّه إليه يا إبراهيم : إنّ دعوتك مستجابة فلا تدع على عبادي فإنّي لو شئت أن أميتهم بدعائك ما خلقتهم ، إنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف صنف يعبدني لا يشرك بي شيئا فأثيبه ، وصنف يعبد غيري لا يفوتني ، وصنف يعبد غيري فأخرج من صلبه من يعبدني . « 2 »
واعلم أنّ دلالة ملك اللَّه وملكوته على نعوت جلاله تعالى وسمات عظمته غير متناهية ، وحصول المعلومات الَّتي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 52 .
( 2 ) رواه علي بن إبراهيم في تفسيره ص 194 وأورد فيه أيضا قصة نشوئه في الغار ورواه البحراني في البرهان عن تفسير الامام وغيره ج 1 532 - 533 .