وأخطأ من قال ، إنّ ذلك القاسر هو النفس الانسانيّ وهو الَّذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأنّ تعلق النفس بالبدن إنّما يكون بعد حصول المزاج والقاهر لهذه الطبائع المتضادّة على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخّر عن حصول الاجتماع فثبت أنّ القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلَّا اللَّه فإنّ الجسد كثيف ظلمانيّ فاسد عفن والروح لطيف علويّ نورانيّ مشرق باق نظيف وبينهما أشدّ المنافرة والمباعدة وهو سبحانه الجامع بينهما على سبيل القهر والقدرة ومع هذه المنافرة جعل سبحانه كلّ واحد منهما مستكملا لصاحبه منتفعا بالآخر فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرّق والبدن يصير آلة للروح في استكمال تحصيل السعادات الأبديّة فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلَّا بقهره تعالى لهذه الطباع ، انتهى كلامه ) .
فالقاهر للعباد يحاسب عباده بسرعة روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سئل كيف يحاسب اللَّه الخلق ولا يرونه ؟ قال : كما يرزقهم ولا يرونه . وروي أنّه تعالى يحاسب جميع عباده على مقدار حلب شاة ! فاستعدّ لحسابك . قال عليّ بن الحسين عليه السلام : يا ابن آدم إنّك لا تزال بخير ما دام لك واعظا من نفسك ، وما كان الخوف شعارك ، والحزن دثارك إنّك ميّت ومحاسب فأعدّ الجواب . وأوحى اللَّه إلى موسى : يا موسى خفني في سرائرك أحفظك في عوراتك واذكرني في سرائرك وخلواتك وعند سرور لذّاتك أذكرك عند غفلاتك . واملك غضبك عمّن ملَّكتك أمره أكفّ غضبي عنك ، واكتم مكنون سرّي وأظهر في علانيتك المداراة عنّي لعدوّك وعدوّي . أقول : لا المداهنة .
قال الصادق عليه السلام : ما الدنيا عندي إلَّا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها يا حفص إنّ اللَّه علم ما العباد عاملون وإلى ما هم سائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة بعلمه السابق فيهم وإنّما يعجل من يخاف الفوت فلا يغرّنّك تأخير العقوبة ، ثمّ تلا قوله « تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » « 1 » وجعل يبكي ويقول : ذهبت الأمانيّ عند هذه الآية الحديث .
هامش
( 1 ) القصص : 83 .