معناه : وعنده خزائن الغيب من الأرزاق والآجال والمقدورات . وقال ابن عمر : مفاتح الغيب خمس ثمّ قرأ « إِنَّ اللَّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ، الآية » « 1 » .
ولمّا ذكر سبحانه أوّلا وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلَّا هو وهذا أمر معقول كلَّيّ أكّد بيانه بمعاونة الأمثلة محسوسا مفهوما لكلّ أحد بجزئيّات محسوسة فقال :
* ( [ ويَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ] ) * وذلك لأنّ أحد أفراد معلومات اللَّه هو جميع دوابّ البرّ والبحر ، فذكر سبحانه هذا المحسوس لكشف ذلك المعقول فإنّ الإنسان إذا شاهد أحوال البرّ وما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال وكثرة الحيوان والنبات وكذلك عجائب البحر وطوله وعرضه وما فيه من أجناس ما خلق في البحار فإذا استحضر الخيال صورة البرّ والبحر ، وعرف أنّ مجموع هذه الأمور قسم حقير تحت قوله :
« وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ » فيصير هذا المثال المحسوس مكمّلا للعظمة في علمه تعالى .
ثمّ ذكر جزئيّا آخر كاشفا عن عظمة علمه تعالى بقوله : * ( [ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ] ) * فإذا عرف الإنسان إحاطة علمه تعالى بسقوط ورقة من أوراق الأشجار تبيّن للمتأمّل درجة زائدة في علم خالقه وربّه ، ثمّ يجاوز من هذا المثال أيضا إلى مثال آخر أشدّ هيئة وأدّق إحاطة بقوله : * ( [ ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ ] ) * وذلك لأنّ الحبّة في غاية الصغر ، وظلمات الأرض موضع يكون أكبر الأجسام وأعظمها مخفيّا فيها على اتّساعها فصارت هذه الأمثلة كلَّها منبّهة على عظمة علمه تعالى قال ابن عبّاس :
المراد من ظلمات الأرض تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع .
* ( [ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ] ) * وقد جمع الأشياء كلَّها في قوله : « ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ » لأنّ الأجسام كلَّها لا تخلو من أحد هذين . وقيل : المراد ما ينبت وما لا ينبت وقيل :
الرطب : الحيّ ، واليابس : الميّت . وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام : الورقة : السقط ، والحبّة :
الولد ، وظلمات الأرض : الأرحام ، والرطب : ما يحيى واليابس ما يغيض « 2 » * ( [ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ] ) *
هامش
( 1 ) لقمان : 34 .
( 2 ) رواه البحراني في البرهان « ج 1 : 528 » عن أبي الربيع عنه عليه السلام . وفيه :
ما يحيى الناس به .