تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
فأنزل هذه السورة جملة ، فكلّ آية وحكم في ترتيبه موافق للأمور الَّتي بقع متدرّجا ، والخطاب متوجّه لما يقع تدريجا بيانا لتكليفهم فصحّ إطلاق شأن النزول إذ كلّ آية يختصّ بحكم حالهم موافقا لما يحتاجون بيانه . قوله : * ( [ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ ] ) * أمر سبحانه نبيّه أن يسلَّم عليهم من اللَّه فهو محبّة من اللَّه على لسان نبيّه ، وقيل : إنّ اللَّه أمر نبيّه أن يسلَّم عليهم تكرمة لهم ، عن الجبّائيّ . وثالثها أنّ معناه اقبل عذرهم واعترافهم وبشّرهم بالسلامة ممّا اعتذروا منه ، عن ابن عبّاس . وقال أبو بكر الأنباريّ : قال قوم : السلام هو اللَّه فمعنى « السلام عليكم » يعني اللَّه عليكم أي على حفظكم قال الرازيّ وهذا بعيد لتنكير السلام في قوله : سلام عليكم ، ولو كان معرّفا لصحّ هذا الوجه . أقول : ولو كان معرّفا أيضا لكان في المعنى تكلَّف وبعدو « كتب » معناه الوجوب و « على » تفيد الإيجاب والإيجاب بحكم التفضّل والكرم ، وهو لا ينافي كونه تعالى فاعلا مختارا بل هو عبارة عن تأكيد وقوع الرحمة تفضّلا . * ( [ أَنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ] ) * قال الرازيّ : إنّ هذا لا يتناول التوبة من الكفر لأنّ هذا الكلام خطاب مع الَّذين وصفهم بقوله : « وإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا » فثبت أنّ المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله : « بجهالة » ليس هو الخطأ والغلط لأنّ ذلك لا حاجة له إلى التوبة بل المراد أن يقدم على المعصية بسبب الميل والشهوة فعمل عملا متلبّسا بجهالة حقيقة أو حكما بأن يكون جاهلا بمقدار المكروه فيه أو أنّه علم أنّ عاقبته قبيحة ومكروهة ولكنّه آثر العاجلة فهو جاهل لأنّه آثر النفع القليل على الراحة الكثيرة الدائمة * ( [ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِه وأَصْلَحَ فَأَنَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ] ) * أي بعد المعصية تاب ورجع عن فعله وأصلح ما أفسده من عمله فهو تعالى يمنّ عليه بالغفران والرحمة . [ وكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ] وقرء « ولتستبين » بالتاء وسبيل بالرفع . والسبيل استعمل مؤنّثة مثل قوله : « هذِه سَبِيلِي » واستعمل مذكّرا مثل « وإِنْ يَرَوْا
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 178 | مير سيد علي الحائري الطهراني