روحك وأمرت الملائكة بالسجود له فبزلَّة واحدة أخرجته من جوارك فأوحى اللَّه إليه يا إبراهيم أما عرفت أنّ معصية الحبيب على الحبيب شديدة ؟
قال مالك بن دينار : دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون المجنون فقلت : كيف حالك وكيف أنت ؟ قال : يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفرا بعيدا بلا أهبة ولا زاد ، ويقدم على ربّ عدل حاكم بين العباد ، ثمّ بكى بكاء شديدا فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : واللَّه ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلى لكن بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي ، أبكاني واللَّه قلَّة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ، ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنّة أم إلى النار . فقلت له : إنّ الناس يزعمون أنّك مجنون فقال : ما بي جنّة ولكن حبّ مولاي خالط قلبي ، وجرى بين لحمي ودمي وعظامي .
[ قُلْ ] يا محمّد للكفرة الَّذين يخالفونك : [ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّه ] أي لا أدّعي أنّ خزائن اللَّه ومقدوراته مفوّضة إليّ أتصرّف فيها كيف أشاء حتّى تقترحوا عليّ تنزيل المعجزات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهبا أو غير ذلك ممّا لا يليق بشأن العبوديّة ، وكانوا يقترحون منه بعض الآيات وكانوا يقولون : إن كنت رسولا من عند اللَّه فوسّع علينا منافع الدنيا وأرزاقها ، فقل لهم : لا أدّعي أنّ مفاتيح الرزق بيدي حتّى أقبض وأبسط .
[ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ] أي ولا أدّعي أيضا أنّي أعلم الغيب من أفعاله تعالى حتّى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب . و « لا » في قوله « ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » زائدة تأكيد للنفي ، والحاصل أنّي لا أدّعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتّى تقترحوا عليّ وتجعلوا عدم إجابتي إلى مقترحاتكم دليلا على عدم صحّة ما أدّعيه من الرسالة بل الرسالة هي عبارة عن تلقّي الوحي من جهته تعالى والعمل بمقتضاه فحسب ، حسب ما ينبئ عنه قوله : [ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ] أي ما أفعل إلَّا اتّباع ما يوحى إليّ من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحى .
والوحي ثلاثة : ما ثبت بلسان الملك ، والقرآن من هذا القبيل بإشارة الملك
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 172
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٧٢