قال القاضي : لمّا قدّم ذكر الكفّار وبيّن أنّهم يرجعون إلى اللَّه ويحشرون بيّن بعده : « وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ » في أنّهم يحشرون وهذا هو الوجه في النظم .
الحيوان إمّا أن يكون بحيث يدبّ أو يكون بحيث يطير فجميع ما خلق اللَّه من ذي الروح فإنّه لا يخلو عن هاتين الصفتين حتّى ما يسيح في الماء ويعيش فيه فيوصف بعضها بالدبيب النهاية دبيبه في الماء ، وبعضها يسيح في الماء كما أن الطير يسيح في الهواء إلَّا أنّ البحريّة وصفها بالدبيب أقرب من وصفها بالطيران وخصّ ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء احتجاجا بالأظهر لأنّ ما في السماء وإن كان كذلك لكن غير ظاهر لنا والفائدة في قوله : « يَطِيرُ بِجَناحَيْه » مع أنّ كلّ طائر إنّما يطير بجناحيه التأكيد كقوله : نعجة أنثى . ومثل قوله : رأيت بعيني ومشيت برجلي .
وفي الآية ذكر في المماثلة بيننا وبين كلّ الدوابّ ، ولا يمكن أن يقال : إنّ حصول المماثلة من جميع الوجوه ، ولا بدّ أن يكون المماثلة من وجه . قال الواحديّ : عن ابن عبّاس أنّه قال : يريد سبحانه : يعرفونني ويوحّدونني ويسبّحونني ، وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسّرين وقالوا : إنّها تعرف اللَّه وتحمده وتسبّحه ، واحتجّوا بقوله تعالى : « وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه » « 1 » وبقوله في صفة الحيوانات : « كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وتَسْبِيحَه » « 2 » وعن أبي الدرداء أنّه قال : ابهمت عقول البهائم عن كلّ شيء إلَّا عن أربعة أشياء : معرفة اللَّه ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيّؤ كلّ واحد لصاحبه ، وروي عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعجّ إلى اللَّه يقول : يا ربّ إنّ هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من حشاش الأرض وقيل : المراد بالمثليّة في كونها أمما وجماعات وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه
هامش
( 1 ) الإسراء : 46 .
( 2 ) النور : 41 .