كفّار مكّة ، وهو ما حكى عنهم من قولهم « إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ » « 1 » وساحر وشاعر ومجنون وأمثالها * ( [ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ] ) * وقرء لا يكذبونك بالتخفيف وهو قراءة عليّ عليه السلام أي لا تعتدّ بما يقولون فإنّهم في تكذيبهم آيات اللَّه لا يكذبونك في الحقيقة .
واختلف في معناه على وجوه : أحدها : هذا الَّذي ذكرناه . والثاني أنّ معناه :
لا يكذّبونك بقلوبهم اعتقادا وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا ، ويجحدون القرآن والنبوّة كما أنّ حرث بن عامر من قريش قال : يا محمّد ما كذبتنا قطَّ ولكنّا إن اتّبعناك نتخطَّف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب . وقال أخنس بن شريق لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمّدا صادق هو أم كاذب ؟ فإنّه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له : إنّ محمّدا لصادق وما كذب قطَّ ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللَّواء والسقاية والحجابة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش ؟ .
قال الرازيّ : وهذا الوجه في معنى الآية غير مستبعد ، ونظيره قوله تعالى في قصّة موسى وفرعون : « وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا » . « 2 »
والوجه الثالث في تأويل الآية أنّهم لا يقولون : إنّك كذّاب لأنّهم جرّبوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذبا وسمّوك بالأمين فلا يقولون : إنّك كاذب ولكن جحد واضحة نبوّتك لأنّهم اعتقدوا أنّ محمّدا عرض له نوع خبل ونقصان في عقله ، فلأجله تخيّل في نفسه أنّه رسول وبهذا التقدير لا ينسبونه إلى الكذب .
والوجه الرابع أنّ معناه أنّهم لا يصادفونك كاذبا فقول العرب : قاتلناكم فما أجبنّاكم أي ما وجدناكم جبناء وقال الأعشى :
« فمضى وأخلف من قبيله موعدا »
أراد :
صادف منها خلف الوعد .
* ( [ ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّه يَجْحَدُونَ ] ) * أي ولكنّهم ينكرون آيات اللَّه ويكذّبون بها فما يفعلون في حقّك ، والتقديم للقصر .
هامش
( 1 ) الانعام : 26 .
( 2 ) النمل : 14 .