واختلف في كيفيّة حملهم الأوزار قال بعضهم : هذا على سبيل التمثيل والتشبيه مجازا ، قالوا : الحمل من توابع الأعيان الكثيفة لأمن عوارض المعاني فلا يوصف به العرض إلَّا على التمثيل مجازا . وقال جماعة : لا مانع من حمل الكلام على الحقيقة ، وفي الحديث : إنّ المؤمن إذ خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول :
هل تعرفني ؟ فيقول : لا فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني ، فقد طال ماركتك في الدنيا فذلك قوله : « يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً » « 1 » أي ركبانا ، وإنّ الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحا فيقول : أنا عملك السيّئ طال ما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم وذلك قوله : « وهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » « 2 » فيكون الحمل على حقيقته لأنّ للأعمال صورا تظهر في الآخرة وإن كان نفسها أعراضا .
* ( [ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ] ) * أي بئس الحمل حملهم . أو المعنى : ساء ما ينالهم جزاء ذنوبهم إذ كان ذلك عذابا ونكالا ثمّ ردّ سبحانه عليهم قولهم حيث قالوا : ما هي إلَّا حياتنا الدنيا فبيّن أنّ ما يتمتّع به في الدنيا يزول ويبيد فقال : * ( [ ومَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ] ) * أي باطل وغرور إذا لم يجعل ذلك طريقا إلى الآخرة ، والمراد أعمال الدنيا لأنّ نفس الدنيا لا يوصف باللعب * ( [ ولَلدَّارُ الآخِرَةُ ] ) * الَّتي هي محلّ الحياة الباقية * ( [ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ] ) * الكفر والمعاصي ، لأنّ منافعها خالصة عن المضارّ ولذّاتها غير منقصه بالآلام * ( [ أَفَلا تَعْقِلُونَ ] ) * والفاء للعطف على مقدّر أي أتغفلون فلا تعقلون أيّ الأمرين خير ؟ وفي الآية تسلية للفقراء المؤمنين وتقريع للأغنياء المنهمكين في لذّات الدنيا .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 34 ] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّه يَجْحَدُونَ ( 33 ) ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّه ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )
قوله تعالى :
* ( [ قَدْ نَعْلَمُ ] ) * « قد » هنا للتكثير والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة تعلَّقه * ( [ إِنَّه ] ) * ضمير الشأن * ( [ لَيَحْزُنُكَ ] ) * يا محمّد * ( [ الَّذِي يَقُولُونَ ] ) * فاعل « يحزنك » والعائد محذوف أي الَّذي يقوله
هامش
( 1 ) مريم : 88 .
( 2 ) راجع فروع الكافي ج 1 : 66 باب ما ينطق به موضع القبر .