تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
لما حصل هذا النظم والثاني أنّه تعالى قال بعد ذلك : « وإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » يعني به ما تقدّم ذكره ، ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله : « وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْه » النهي عن أذيّته صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم لأنّ ذلك أمر حسن جدّا لا يوجب الهلاك . فإن قيل : إنّ قوله : « وإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » يرجع إلى قوله : « ويَنْأَوْنَ عَنْه » لا إلى قوله : « وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْه » لأنّ المراد بذلك أنّهم يبعدون عنه بمفارقة دينه ، وذلك ذمّ فلا يصحّ ما رجّحتم به هذا القول . قلنا : إنّ ظاهر قوله : « إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » يرجع إلى كلّ ما تقدّم ذكره لأنّ هذا الكلام بمنزلة أن يقال : إنّ فلانا يبعد عن الشيء الفلانيّ وينفر عنه ولا يضرّ بذلك إلَّا نفسه فلا يكون هذا الضرر معلَّقا بأحد الأمرين دون الآخر انتهى كلامه . قال الطبرسيّ : وقول عطاء ومقاتل لا يصحّ لأنّ هذه الآية معطوفة على ما تقدّمها وما تأخّر عنها معطوف عليها وكلَّها في ذمّ الكفّار المعاندين للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم هذا وقد ثبت إجماع أهل البيت على إيمان أبي طالب سالم اللَّه عليه ، وإجماعهم حجّة لأنّهم أحد الثقلين اللَّذين أمر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالتمسّك بهما بقوله : « إن تمسّكتم بهما لن تضلَّوا » . ويدلّ على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر من أنّ أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة اسمه عتبة - يوم الفتح إلى رسول اللَّه فأسلم فقال النبيّ لأبي بكر : هلَّا تركت الشيخ فأنا آتيه وكان أعمى ؟ فقال أبو بكر : أردت أن يأجره اللَّه والَّذي بعثك بالحقّ لأنّي كنت بإسلام أبي طالب أشدّ فرحا منّي بإسلام أبي ألتمس بذلك قرّة عينك فقال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : صدقت . وأشعار أبي طالب المنبئة عن إسلامه كثيرة لا تحصى لا يسعه هذا المختصر فمن ذلك :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا نبيّا كموسى خطَّ في أول الكتب
وقوله في قصيدة :
ألا إنّ أحمد قد جاءهم بحقّ ولم يأتهم بالكذب
وقوله في قصيدة يحضّ ويحثّ أخاه حمزة على اتّباع النبيّ والصبر في طاعته :
صبرا أبا يعلى على دين أحمد وكن مظهرا للدين وفّقت صابرا