تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بشركهم أخبر في هذه الآية أنّه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلَّا أن تبرّؤوا منه وانتفوا منه فحلفوا أنّهم ما كانوا مشركين قال الزجّاج : وهذا المعنى حسن شائع لا يعرف تأويله إلَّا من عرف معاني الكلام وتصرّف العرب في ذلك ، ومثاله أن ترى إنسانا يحبّ رجلا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تباعد وتبرّأ منه فيقال له : ما كانت محبّتك لفلان إلَّا أن أتقنت منه . فإن قيل : إنّ كلّ الناس ملجؤون في الآخرة بترك القبيح لمشاهدته الحقائق ولمعرفتهم باللَّه ضرورة فكيف يجوز لهم أن يكذّبوا ؟ الجواب أنّ معناه ما كنّا مشركين في اعتقادنا وهم يعتقدون في الدنيا كونهم مصيبين فيحلفون على هذا ، فعلى هذا يكون قولهم وحلفهم بزعمهم يقعان على وجه الصدق . وقيل وجه آخر وهو أنّهم إنّما يحلفون على ذلك لزوال عقولهم بما يلحقهم من الدهشة من أهوال يوم القيامة .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 24 ] انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 )

المعنى : يقول اللَّه عند حلف هؤلاء انظر يا محمّد كيف يفترون على أنفسهم وهذا وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد التنبيه على التعجّب منهم وحاصل المعنى : انظر إلى إخباري عن افترائهم كيف هو بأنّه لا يمكن النظر إلى ما يوجد في الآخرة وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، المراد أوثانهم الَّتي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه غدا فذهبت عنهم فلم ينتفعوا بها ، أو هو عامّ في كلّ ما يعبد من دون اللَّه أنّها تضلّ عن عابديها يوم القيامة ولا يغني عنهم شيئا واختلف في أنّ أهل الآخرة هل يجوز أن يقع منهم الكذب أم لا ؟ قيل : يجوز ذلك لما يلحقهم من الحسرة والدهش في القيامة لكن بعد ما استقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار لا يجوز أن يقع منهم القبيح وبه قال أبو بكر الاخشيديّ وأصحابه وقال بعضهم : إنّه لا يجوز وقوعه منهم على جميع الأحوال .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 25 ] ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه وفِي آذانِهِمْ وَقْراً وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 25 )

قوله تعالى : النزول : قيل : إنّ نفرا من مشركي مكّة منهم النضر بن الحرث وأبو سفيان
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 151 | مير سيد علي الحائري الطهراني