تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
ابن الحرب والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وغيرهم جلسوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وهو يقرء القرآن فقالوا للنضر : ما يقول محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ؟ فقال النضر : أساطير الأوّلين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية فأنزل اللَّه هذه الآية فقال : * ( [ ومِنْهُمْ ] ) * أي ومن الكفّار الَّذين تقدّم ذكرهم * ( [ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ] ) * أي يستمعون إلى كلامك إذا قرأت القرآن * ( [ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه وفِي آذانِهِمْ وَقْراً ] ) * وقد مرّ شرح هذا العنوان في سورة البقرة عند قوله : « خَتَمَ اللَّه عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ ، الآية » قال القاضي أبو عاصم العامريّ : أصحّ الأقوال فيه ما روي أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يصلَّي بالليل ويقرء القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان من قريش أو غير قريش فيتدبّر في معانيه ويؤمن به ، فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ومنعوه عن الجهر بالقراءة فكان اللَّه تعالى يلقي عليهم النوم أو يجعل في قلوبهم أكنّة ليمتنعوا عن أذاه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويقطَّعهم عن مرادهم وذلك بعد أن بلغهم ما يقوم به الحجّة وينقطع به المعذرة وأسمعهم ، وبعد ما علم اللَّه سبحانه أنّهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون فشبّه إلقاء النوم بجعل الغطاء على قلوبهم وبوقر آذانهم وهذا معنى قوله : « وإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً » « 1 » وهو قول أبي عليّ الجبّائيّ أيضا . ويجوز أن يكون سمّى الكفر الَّذي في قلوبهم تشبيها ومجازا وقرا وأكنّة توسّعا لأنّ مع الكفر والإعراض لا يحصل الإيمان والفهم كما لا يحصلان مع الكن والوقر . ونسب ذلك إلى ذاته لأنّه الَّذي شبّه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان وذكر مناقبه : جعلته فاضلا وبالضدّ إذا ذكر مقابحه وفسقه يقال له : جعلته فاسقا وكما يقال : جعل القاضي فلانا عدلا ، وكلّ ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والإبانة عن حاله كما قال الشاعر :
جعلتني باخلا كلَّا وربّ مني إنّي لأسمح كفّا منك في اللزب
ومعناه : سمّيتني باخلا .
هامش
( 1 ) الإسراء : 47 .