الَّذين يلونهم ثمّ الَّذين يلونهم . وقيل : القرن عبارة عن مدّة من الزمان ثمانين سنة أو سبعين ، أو ستّين ، أو أربعين ، أو مائة .
ومنشأ هذا الاختلاف في معنى القرن بسبب اختلاف الأعمار في الأدوار والأزمنة فعلى هذا المضاف محذوف ، أي أهل قرن لأنّ نفس الزمان لا يتعلَّق به الهلاك فالمدّة الَّتي يجتمع فيها قوم ثمّ يتفرّقون بالموت فهي قرن لأنّ الَّذين يأتون بعدهم اقترنوا بالَّذين مضوا .
* ( [ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ] ) * وتمكين الشيء في الأرض جعله قارّا فيها ومكّن استعمل باللَّام وبدون اللام مثل قوله تعالى : * ( [ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ] ) * أي أعطيناهم ما لم نعطكم من العمر والمال وغيره * ( [ وأَرْسَلْنَا السَّماءَ ] ) * أي المطر والغيث * ( [ عَلَيْهِمْ مِدْراراً ] ) * والمدرار الكثير الجري والصبوب وهو حال من السماء صيغة مبالغة كمفضال * ( [ وجَعَلْنَا الأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ] ) * أي من تحت أشجارهم وقصورهم وأبياتهم * ( [ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ] ) * أي أهلكت كلّ قرن من تلك القرون بسبب ما يخصّهم من الذنوب * ( [ وأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ ] ) * وأحدثنا من بعد إهلاك كلّ قرن * ( [ قَرْناً آخَرِينَ ] ) * بدلا من الهالكين وهو بيان كمال قدرته وسعة سلطانه وأنّ إهلاكهم لم ينقص من ملكه وقدرته شيئا بل كلَّما أهلك أمّة أنشأ عوضها أخرى .
وفي تفسير روح البيان عن أبي الدرداء أنّه قال : إنّ للَّه عبادا يقال لهم الأبدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الروع وحسن النيّة وسلامة الصدر والرحمة للمؤمنين اصطفاهم اللَّه بعلمه واستخلصهم لنفسه ، وهم أربعون رجلا على مثل قلب إبراهيم لا يموت الرجل منهم حتّى يكون اللَّه قد أنشأ من يخلفه وقد قيل في حقّهم : إنّهم لا يؤذون من تحتهم ولا يحقّرونه ولا يحسدون من فوقهم أطيب الناس خبرا ، وألينهم عريكة ، وأسخاهم نفسا لا تسبقهم الخيل المجراة ، ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربّهم ، إنّما قلوبهم تصعد في الصفوف العلى ارتياحا إلى اللَّه في استباق الخيرات أولئك حزب اللَّه ألا إنّ حزب اللَّه هم المفلحون .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 139
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٣٩