السماوات وفي الأرض . قال الزجّاج : لو قلت : هو زيد في الدار لم يجز إلَّا أن يكون في الكلام دليل على أنّ زيدا يدبّر أمر الدار فيؤول المعنى أنّ زيدا هو المدبّر في الدار وحينئذ على قول أبي بكر السرّاج والزجّاج يكون الكلام في متعلَّقه ما دلّ عليه اسم اللَّه فيصحّ المعنى ويكون « هو اللَّه » مبتدءا وخبرا أي هو المتفرّد بالألوهيّة في السماوات وفي الأرض ، يعنى في كلّ مكان إله فلا يكون إلى مكان أقرب من مكان .
ثمّ أكّد بقوله : * ( [ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ] ) * أي الظاهر المشكوف والخفيّ المكتوم * ( [ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ] ) * من نيّاتكم وأعمالكم وأحوالكم .
وتمسّك بعض الحمقاء القائلون بأنّ اللَّه في مكان تمسّكوا بهذه الآية ، قالوا :
هذه الآية تدلّ على أنّ الإله مستقرّ في السماء وهو غلط لأنّه يستلزم كونه في المكانين معا لأنّه قال : « وفِي الأَرْضِ » وهو محال ، وأجابوا عن هذا الجواب بأنّه أجمعوا على أنّه ليس بموجود في الأرض ، ولا يلزم من ترك أحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر فوجب أن يبقى ظاهر قوله : « وهُوَ اللَّه فِي السَّماواتِ » على ذلك الظاهر ثمّ قالوا : ولأنّ من القرّاء من وقف عند قوله : « وهُوَ اللَّه فِي السَّماواتِ » ثمّ يبتدئ فيقول : « وفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ » والمعنى أنّه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله : « فِي الأَرْضِ » صلة لقوله : « سِرَّكُمْ » هذا تمام كلامهم الباطل .
قال الرازيّ : إنّا نقيم الدلالة أوّلا على أنّه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره من وجوه لأنّه تعالى قال في هذه السورة : « قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ قُلْ لِلَّه » وبيّن بهذه الآية وغيرها من الآيات أن كلّ ما في السماوات والأرض فهو ملك اللَّه ومملوك له فلو كان اللَّه أحد الأشياء الموجودة في السماوات لزم كونه ملكا لنفسه وذلك محال . فإن قالوا : إنّه قال : « ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ » وكلمة « ما » مختصّة بمن لا يعقل ، فلا يدخل فيها ذات اللَّه فالجواب أنّ هذا غير مسلَّم والدليل عليه قوله : « والسَّماءِ وما بَناها والأَرْضِ وما طَحاها ونَفْسٍ وما سَوَّاها » « 1 » وكذلك « ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ » « 2 »
هامش
( 1 ) الشمس : 75 .
( 2 ) الجحد : 3 .