ولا شكّ أنّ المراد بكلمة « ما » هو اللَّه سبحانه .
والوجه الثاني أنّ قوله : « وهُوَ اللَّه فِي السَّماواتِ » إمّا أن يكون المراد منه أنّه موجود ومتمكّن في جميع السماوات أو المراد أنّه موجود في سماء واحدة ، والثاني ترك للظاهر والأوّل على قسمين لأنّه إمّا أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السماوات عين ما حصل منه في سائر السماوات أو غيره ، والأوّل يقتضي حصول المتحيّز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل والثاني يقتضي كونه مركّبا من الأبعاض والأجزاء وهو باطل .
والوجه الثالث أنّه لو كان موجودا ومتمكّنا في السماوات لكان محدودا متناهيا ، وما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنا ، وكلّ ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعيّن لتخصيص مخصّص وتقدير مقدّر وكلّ ما كان كذلك فهو محدث .
والدليل الرابع على بطلان قولهم أنّه تعالى قال : « وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » وقال :
« نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » « 1 » وقال : « وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِله وفِي الأَرْضِ إِله » وكلّ ذلك تبطل القول بالمكان .
قيل : إنّ إمام الحرمين أستاذ الإمام الغزّاليّ نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء فقام واحد من أهل المجلس فقال : ما الدليل على تنزّهه عن المكان وهو قال : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » ؟ فقال : الدليل عليه قول يونس : في بطن الحوت :
« لا إِله إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » « 2 » فتعجّب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الإمام : إنّ هاهنا فقيرا مديونا بألف درهم ، أدّعنه دينه حتّى ابيّنه فقال صاحب الضيافة : عليّ دينه فقال : إنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم لمّا ذهب في المعراج إلى ما شاء اللَّه قال هناك : لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، ولمّا ابتلى يونس بالظلمات في قعر البحر ببطن الحوت قال : لا اله إلَّا أنت فكلّ منهما خاطبه بقوله « أنت » وهو خطاب الحضور ولو كان هو في مكان لما صحّ ذلك فدلّ ذلك على أنّه ليس في مكان .
هامش
( 1 ) ق : 15 .
( 2 ) الأنبياء : 87 .