[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 )
قوله تعالى :
« ما » نافية « ومن » الأولى لاستغراق الجنس الَّذي يقع في النفي كقولك : ما أتاني من أحد ، و « من » الثانية للتبعيض . أخبر سبحانه عن أحوال الكفّار المذكورين في أوّل الآية فقال : لا تأتيهم حجّة من حججه وبيّناته من المعجزات * ( [ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ] ) * لا يقبلونهما ولا يستذلَّون لها من التوحيد وصدق رسوله * ( [ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ ] ) * رتّب وشرح أحوالهم مراتب ، الأدنى : كونهم معرضين عن التامّل والنظر في الدلائل ، والمرتبة الثانية كونهم مكذّبين بها لأنّ المعرض عن الشيء قد يكون غير مكذّب به ، والمرتبة الثالثة : يستهزؤن لها لأنّ المكذّب بالشيء قد يكون لا يبلغ تكذيبه به إلى حدّ العناد والاستهزاء فبيّن سبحانه أنّهم على هذا الترتيب أحوالهم . والمراد بالحقّ في الآية أنّه المعجزات قال ابن مسعود : المراد : انشقاق القمر . وقيل : القرآن . وقيل : إنّه محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقيل : إنّه الشرع الذي أتى به الرسول وقيل : إنّه الوعد والوعيد الَّذي يرغَّبهم به تارة ويرهّبهم ويحذّرهم به أخرى والأولى شمول الكلّ . والمراد من الأنباء العذاب الَّذي أنبأ اللَّه به لا نفس الأنباء . ومعنى الاستهزاء قال الزجّاج : إيهام التفخيم في معنى التحقير .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 6 ] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وجَعَلْنَا الأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 )
قوله تعالى :
ثمّ حذّرهم سبحانه ما نزل بالأمم قبلهم مثل قوم نوح وعاد وثمود وفرعون ، وأجرى كلامه مجرى الموعظة والنصيحة فقال سبحانه : * ( [ أَلَمْ يَرَوْا ] ) * الهمزة للإنكار لتقرير الرؤية والرؤية عرفانيّة متعدّية بمفعول واحد والضمير لأهل مكّة أي ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الأخبار المتواترة * ( [ كَمْ ] ) * عبارة عن الأشخاص استفهامية كانت أو خبريّة * ( [ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ ] ) * أي من خلق أهل مكّة وأهل زمانهم من قرن وعصر من الأعصار ، سمّوا بذلك لاقترانهم ببرهة من الدهر قال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : خير القرون قرني ثمّ